منتدي شباب إمياي

مجلس الحكماء

التسجيل السريع

:الأســـــم
:كلمة السـر
 تذكرنــي؟
 


    قرأت لك (هى السلفية ))

    شاطر
    avatar
    صلاح محمد حسانين
    المدير العام

    النوع : ذكر
    عدد المشاركات : 6402
    العمر : 54
    تاريخ التسجيل : 28/06/2009
    المهنة :
    البلد :
    الهواية :
    مزاجي النهاردة :

    عام قرأت لك (هى السلفية ))

    مُساهمة من طرف صلاح محمد حسانين في 26/7/2012, 2:00 am

    Cool عثرت على مكتبة رائعة بها امهات الكتب فى كل المجالات وسأحاول ان شاء الله وبتوفيقه ان اتقل اليكم بعض من هذه الكتب لتكون فى ارشيق المنتدى بين ايديكم عندما تريد وتحب ان تقرأ شيئا نافعا واليوم سأنقل لكم كتابا عن السلفية وهم الان فريق صار واقعا سياسيا فنحن جميعا سلفيون ولكن ما علمته انهم فرق كثر ومناهج عديدة اراد كاتب هذا الكاتب ان يلقى الضوء على احد هذه الفرق اتركم الان مع الجزء الاول من كتاب      (هى السلفية
    )

     



    إنَّ الحمدَ لله، نَحمدُهُ ونَستعينُهُ
    ونَستَغفرُهُ، ونَعوذُ بالله مِن شرورِ أنفُسِنا، ومن سَيِّئاتِ أعمالنا، مَن
    يَهدِهِ الله فلا مُضِلَّ لهُ، ومَنْ يُضلِل فلا هادِيَ لهُ.



    وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله وَحدَهُ
    لا شَريكَ لهُ.



    وأشهَدُ أنَّ محمداً عَبدُهُ
    ورَسولُهُ... أما بعد.



    فهذا كتابٌ مُهمٌّ أوفى عَلى تَجربةٍ
    قامَت على سُوقِها بَعد نَيِّفٍ وثلاثينَ عاماً، ما بَخِلتُ فيه بشيءٍ مِمَّا
    أعلَمُ أنَّهُ حقٌّ، يُجْبى إليه مثلُهُ – بالنَّظَر المُتأمِّل، والبَصرِ
    المُتَعمِّق – مِمَّا يُشبهه، مِمَّا يَجري في حياةِ أُمَّتنا اليَوم، أو مِمَّا
    سَيَجري فيها من غَدٍ، غيرَ راجٍ به إلاَّ وجهَ الله واليومَ الآخِرِ، فإنْ سألني
    الله عزَّ وجَلَّ – وهو سائِلُني – هَل نَصحتَ للأُمَّةِ في أمرٍ عَلِمتَهُ، فكان
    من النَّاسِ حيالَه ظالمٌ لنَفسه، ومُقسطٌ، وسابقٌ بالخَير؟ فيكونُ رجائي أن أكونَ
    – إن شاءَ الله – مِن السَّابقين بالخَير، والله عندَ حُسن ظَنِّ عَبدِهِ بهِ، إذْ
    لم أكتُم الأُمَّة شيئاً مِمَّا علمتُهُ حقَّاً فأسديتُ به نُصحاً لها، أو مِمَّا
    علمتُهُ باطلاً، فكان تحذيرٌ منِّي لها، والله شاهدٌ على ذلك.



    وقد جَعَلتُ هذا الكتابَ في عَشرةِ
    مباحِثَ، بَيَّنتُ فيها منهجَ الدَّعوة السًّلفية([1])،
    وشرحتُ فيها قواعِدَها وأُصولَها، وَرَددتُ على المُشكِّكينَ بها، الطَّاعنينَ
    عليها، وأظهَرتُ ما تُخفيهِ نفوسُهُم من الحَسَدِ والمَكْرِ بها، أو الجَهلِ
    بِحَقيقتِها، ولَبَّيتُ فيه رَغبةَ الكثيرينَ من إخوانِنا وأصحابِنا، نُصرَةً
    لحَقٍّ، وكَشفاً لباطلٍ، وذَبَّاً عن دَعوةٍ أقامَها الله على عَمودِ النُّور.



    ولا إخالُ مسلماً إلاَّ وهو في حاجَةٍ
    إلى هذا الكتاب، مُحباً كان أمْ باغِضاً، ليزدادَ المُحبُّ حُباً، ويَعرفَ
    الباغِضُ أينَ هو بِبُغضِهِ من هذه الدَّعوةِ المبارَكةِ، التي أظَلَّت الدُّنيا
    زَماناً، وستُظلُّهُ مُستَقبلاً إنْ شاءَ الله، بأفيائها الظَّليلَةِ إلى أن يَرثَ
    الله الأرضَ ومَن عليها، وذلك وعدُ الله؛ ولَن يُخلفَ الله وعدَهُ([2])،
    {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى
    الدِّينِ كُلِّهِ } [سورة الصف: اّية 9].



    والله سبحانَهُ أسألُ، أنْ يَهديَنا
    بِنورِهِ إليه، وأنْ يُلزمنا كلمَةَ التَّقوى، ويَجعلنا أهلَها المُخلصين،
    الرَّاجين رَحمتُه، الخائفينَ عذابَهُ، إنِّه سَميعٌ قَريبٌ مجيبٌ.



    وقـد كـان الفــراغ منه



    ليلةَ السَّابع والعشرين من رَمضان /
    عام 1412هـ



    الموافق
    التَّاسع والعشرين من آذار / عام 1992م



    والحمدُ
    لله الذي بنعمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحات



    {رَبِّ
    أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى
    وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي
    عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}
    [سورة النمل: اّية
    19].



    كتبه



    محمَّد إبراهيم شقرة



    عمَّان – الأردن









     



    توْطِئـَــة وَبيــان



     



    فقد
    كَثُرتْ في الآوِنَةِ الأخيرةِ الأحاديثُ – إمَّا بِجَهلٍ جاهرٍ، وإمَّا بسوءِ
    قَصدٍ جائرٍ – عَن السَّلفيَّة والسَّلفيِّين، حتى صارَت بهذه الأحاديث، موضعَ شكٍّ
    وريبةٍ، لدى كثير من أهل السِّياسةِ، يَخافونَها في أنفُسِهم خوفاً شديداً،
    وَيَخشونَها كَخَشيتهم أعداءَهُم أو أشدَّ خَشيَةً، ويَتربَّصونَ بها الدَّوائرَ،
    لظنِّهم أنَّها مُوقعةٌ بهم شرَّاً، أو مُنزلةٌ فيهم نُكراً‍!



    وزاد
    مِن شكِّهم وريبتِهم، ما وقعَ في بَعضِ الأقطارِ الإسلاميَّة مِن أحداثٍ، نُسبَت
    زوراً وبُهتاناً إلى الدُّعاةِ السَّلفيِّين – وهم منها والله براءٌ براءةَ
    الذِّئب من دمِ يوسُف – وصل بعضها إلى حدِّ استِباحَةِ الدِّماءِ، واكتفى بعضها
    الآخر بالمناوَشة من مكانٍ بعيد، تَختفي حيناً، وتَظهَرُ حيناً، ورُبَّما صاحَبَ الحالَين
    حَذرٌ شديدٌ من طرَفين، يَلِجَّانِ في خُصومَةٍ في آنٍ معاً، وكلٌّ منهما يتربَّصُ
    بالآخر خَتْلاً، أو ريبةً، أو مِراءً، حتى إذا أصابَ منهُ غَرَضاً أنفَذَ سهمَهُ
    فيه، لا ليُدميَه، بل لِيَصْمِيَه!!



    لكنَّ
    الأمرَ في كل هذه الحالات لا يجاوز دائرة الحَذَر، ثم لا يُخرجْ أضغاثَ الأحقادِ
    من الصُّدور ، فتَظلُّ مُستَتِرةً، حتى إذا أصابَتها شرارةٌ واحدةٌ اشتَعلَت
    وأشعَلَت، واحتَرقَت وأحرَقَت، وكان حَصادُها: رؤُوساً، وأرواحاً، ودماءً،
    وأموالاً مَهدورةً، وثاراتٍ مَوتورَةً، وبيوتاً مَهجورةً، وإحَناً مَسعورَةً،
    وعداواتٍ ظاهرَةً ومَستورة – عياذاً بالله -!!



    ثمَّ ومع هذا الاختلاط، وغياب العقل
    الواعي، وبترِ اليد السَّديدة الرَّحيمة، وتَداخُل الأشياءِ والأحداثِ، حتى لا
    يكادَ يُعرَفُ منها حدثٌ يُنسَبُ إلى طرف ما، نِسبَةَ علم ويَقين، لا تَجِدُ مَن
    يَتَّقي الله من أولئكَ الذينَ يتَربَّصونَ بالمُسلمينَ الدَّوائر – حتى إنَّهُم
    ربما كانوا مِن المُسلمين أنفُسهم – فيقول قَولَةَ صِدقٍ، لا يَتَّهمُ طَرفاً دونَ
    الآخرَ، أو يُدينهُ، بل إنَّهُ لَيُفوِّقُ سهمَهُ، ويُوتِّرُ قَوسَهُ، ثمَّ يرمي
    به طرَفاً واحداً، مَشحوناً بِحقده على الدِّين والعَقيدة، فيَزيدُ بذلك من إشعالِ
    نارِ العَداوَةِ، ويوقظُ في النُّفوسِ حِسَّاً خامِداً، يُمدُّهُ أحدُ الطَّرفين
    متى شاءَ، لتَدمير جسور المَودَّة، والتَّعاونِ، والقَرابَةِ، والجوارِ، ويَومئذٍ
    يَفرح المُجرمون الآثمونَ، ويَرقُصونَ طَرباً على مزامير الشيطان، أليسَ قَد
    حقَّقوا ما يُريدون؟! وكان لهم من الشرِّ والفسادِ، والخرابِ، والتَّدمير ما
    يَبغون؟



    ولقد ظُلِمَت السَّلفيَّة قَديماً
    وحديثاً ظُلماً شديداً من أوليائها ومِن خُصومِها معاً، ما ليس في طَوقِ البشرِ لو
    اجتَمعوا على كلمةٍ واحدةٍ، أن يَنصروا أنفُسَهم إلاَّ أن يكونَ فَصلُ العَدل فيه
    لله وحدَهُ سبحانَهُ، يومَ يقومُ الأشهاد، وتَذوبُ الأبعاد، ويقف فيه أمامَ
    الميزان العِبادُ.



    بيد أنَّه لا بُدَّ من دَفعِ الظُّلمِ
    بالحُجّةِ والبُرهان، ما استَطَعنا إلى ذلك سبيلاً، فإنَّ نُصرَة الحَقِّ واجبةٌ،
    ومظاهرةَ أهل الحقِّ أوجَبُ وأوجَبُ، إذ الحقُّ ظاهرٌ بنَفسِهِ جليٌّ، وهو لو
    تَبدَّى وحدَهُ – بلا نَصيرٍ ولا ظَهيرٍ – لكان تَبدِّيه يَكفيه نَصيراً وظَهيراً،
    أمَّا أهلُ الحقِّ فَقَد نُوزعوا في الحقِّ قديماً ولا يَزالون، وكان مِن عداوَةِ
    أهلِ الباطل لهم لباساً، وشَّاهُ أهلُه بزُخرفِ القولِ، وزور العلم، فأهاجوا عليهم
    العامَّة، وناصرُوا عليهم أهلَ الجَوْرِ من ذوي الرِّياسة والسُّلطان، وأركَضوا
    كلَّ آثامهم نَحوَ دورهم، وبيوتهم، ومساجدهم، ومدارسهم، لم يَختلف لهم وجهٌ، ولا
    لَونٌ، ولا شكلٌ، في زمان دون زمان، وهل عُلِمَ أهل سوءٍ، إلاَّ وباطِلُهم قَد
    كُوِّرَ على ليلٍ بهيمٍ، لا مكان لحقٍّ فيه، وإن ظُنَّ أنَّ حقاً يكون فيه، فلا
    يُبصر فيه!!



    وتناوَلتُ في هذا الكتاب بعضَ القضايا
    والمسائل، التي تدور في فَلَك السَّلفيَّة، مِن غَيرِ قَصدٍ إلى تَرتيب مُعيَّن،
    ولا إلى نظام عرفهُ المؤلِّفون والكُـتَّاب والباحثون، مِن خلالِ تَجربةٍ
    عِلميَّةٍ عَمَليَّةٍ، امتَدَّت سنين كثيرةً، لم يكن في حسابي يوماً، أن أجدني
    قاضياً على نفسي بتجربةٍ، ولا على غيري بِحُكمٍ، قَد يَروقُ بعضاً، ولا يَروق
    بعضاً آخر، وإن كان يَجدُرُ القول: إنَّ حكم الإنسان على نَفسِهِ، بما يَعلم منها،
    أصدَقُ وأصوَبُ مِن حُكم غيره عليه، وبِخاصَّة فيما يَتَعلَّقُ بالأعمال
    القلبيَّةِ التي لا يَعلمُها إلاَّ الله وحدَهُ منه، وحينَ يحكُم الإنسان على
    نَفسِهِ بِمثلِ ما وَصفنا، يكون أقدَرَ على تَغيير ما يَراه مِن نَفسِهِ خطأً.



    إذاً: فَثُلْثُ قَرنٍ من الزَّمَن –
    جَاست خلالَ سنواتِهِ تجربةٌ، حَمَلت صاحِبَها على كفِّها راضيَةً مُطمئنَّةً،
    واثقةً من صدقِهِ في إقبالِهِ إذ أقبل، وإن خُيِّلَ لِبَعضٍ – من أصحابنا وإخوانٍ
    لنا – بأنَّه كان له إدبار(!) فعاجَت بهم الظُّنون عَوْجَ مَن لَقِفَ قَلْبُهُ
    أمراً يُحدَّثُ به، غَيرَ مُتَثَبِّتٍ ولا مُتأنٍّ، وكأنَّهُم لم يَقرءُوا قوله
    سبحانُه:



    {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ
    إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ
    بِغَضَبٍ مِّنَ الله} [سورة الأنفال: اّية 16]، كافٍ([3])
    في سَبرِ هذه الدَّعوة المُباركةِ، واستظهار حقيقتها، وبناء قناعةٍ مُستَقرَّةٍ،
    لا يُقبَل غيرها!!



    وليسَ مَطلوباً من إنسانٍ – أيِّ إنسانٍ
    – وهو يضع نَفسَهُ تحتَ ظُلَّةِ القَضاءِ، يَحكُم على نَفسِهِ بِنَفسِهِ، أن
    يُظهِرَ خَفايا صَدرِهِ، ومكنونَ قَلبِهِ، ومستورَ ذَنبِهِ، ومَن مِن البَشَر ليسَ
    يُخفي في صَدره، ويُكنُّ في قلبه، ويستُر على نَفسه من ذَنبه؟! وليسَ في هذا شيءٌ
    من تَزكيةِ النَّفس، بل هو مِمَّا يزكِّي به الله سبحانهُ عَبدَهُ الصَّانِعَهُ،
    والله سبحانُه هو وحدَهُ العليمُ الخبيرُ، المُوفِّق للخَير الذي يَرضاهُ
    لِعبادِه.



    وحينَ يكون الحُكم على منهج، آمن به
    المَرءُ، وآثرَهُ على كلِّ ما سواهُ، صدَّقَهُ وأحبَّهُ، فإنَّ الأمرَ مُختلفٌ
    جداً، إذ الحُكمُ عليه عند مَن آمن به وصَدَّقه، لا يَقبَل إخضاعَه للنَّظَر
    العَقليِّ، والسَّبْر، والاستقصاءِ، والتَّرجيح، وهو يُقارَن بغَيره.



    وإذا كان هذا يَصْدُقُ على كلِّ منهج من
    مناهج الأرض التي تَواضَعَ عليها البشرُ، فإنَّه لا يَصْدُقُ على المنهج الذي
    ارتضاهُ ربُّ البَشرِ للبَشرِ.



    ومن أخضَعَ هذا المنهج لهذا النَّظَر،
    فقد أخَذَ بِخطامِ نَفسِهِ إلى مباءةِ إثم، وساقَها إلى مُنحَدرِ هَلاك، وحَمَلها
    على غَضبٍ من الله وعقاب.



    ولو أنَّ أهل العلم في كلِّ عَصرٍ،
    استبصروا الحقَّ واستنطقوه، وأحلُّوا 
    أنفسَهُم منه مكاناً لا ظِنَّة فيه ولا امتراء، لرَأوا أنَّه يَقضي عليهم؛
    بأن لا يُبصروا إلاَّ ذلك المنهج الأبلج الأبهج، أمام أعينهم، فلا يَضِلُّ عنهم،
    ولا يُضِلُّون أنفسَهُم عنه، وكيف يَضِلُّ هو أو يُضَلُّون عنه، وهو الذي تداعَت
    إليه القرون، وذلَّت له الشِّعاب الحُزون، وانقادَت إليه كلُّ سَهْلَةٍ وحَرونٍ؟



    ولا أدري كيف، ولا لماذا أنشأ أعداءُ
    هذا المنهج عداوتَهم في صدورهم، ونشَّأوا قلوبهم في بُغضِه، وتنافَسوا في المَكرِ
    والكَيدِ له ولأهله، وألَّفوا الكتب والرَّسائلَ في تَشويه وجهِه، وتَنفير النَّاس
    منه؟



    نَعَم؛ قَد يَجدُ المَرءُ العَدلُ
    البَصيرُ عُذراً في مثل هذا الصَّنيع، فيمن وجَدوا أنفسَهُم – بعلمهم – موثوقين
    بِرُممٍ مُحكَمةِ الفَتلِ، إلى جذوع الضَّلالِ والجَهلِ، تَنزعُ بهم إلى أسناخِ
    الرَّفض الباطنيِّ، والزَّيغ الاعتزالي، والغَولِ الفَلسَفيِّ، فيَنفضُ منهم يديه،
    ويُعَزِّي نفسه أن لو كانوا يعلمون الغَيب، ما ألبثوا أنفسهم، ولا أقاموها في
    البلاء المُبين، الذي نَسجوا رِداءه الخَشِنَ الغَليظَ لأنفسهم بأنفسهم هم!!



    وقد أعانَ هؤلاءِ على صنيعهم هذا، ما
    يقع في بعض الأحيان بينَ بعض مُلتزمي هذا المنهج، مِن خلافٍ، وصِدامٍ، وقطيعةٍ، إن
    أحسَنتَ الظَّنَّ بهم في ما أجرَوا على أنفسهم، وأجازوه لها، مِن خلافٍ، وصِدامٍ،
    وقطيعَةٍ، فلا يَعدو أن يَكونَ منشؤهُ تنافُساً بينهم – لطبيعتهم البشرية – على
    أمورٍ دُنيويَّة، ليسَ فيها حتى مِن رَغبةٍ لعمل الآخِرَة!



    ثمَّ لا يَلبَثُ أن يُحَوِّلوه بتَزيين
    النَّفس له ولها، إلى خلافٍ في حقٍّ وفي باطل، فهذا يَرى نفسه بأنَّهُ على حقٍّ لا
    شِيَةَ فيه، وأنَّ الآخَرَ على باطل لا شائبةً من حقٍّ فيه، والآخر يُري نَفسَهُ ما
    أرى خصمه نفسه، ويذوب الخلاف على أمور الدُّنيا في الظَّاهر، والصُّدور مستَعرةٌ
    بغضاءَ وكراهيةً وتربُّصاً بالشرِّ، عياذاً بالله تعالى، ويحيكونَ – كل للآخَر –
    ثوباً مِن هذه البَغضاءِ والكراهية والتَّربُّصِ بالشرِّ، والفائزُ منهم هو
    الأسرعُ بإلقائه الثَّوبَ الذي حاكه على الآخر، ولا يذكِّرُني هذا الصَّنيع، إلاّ
    بمُبارزات رُعاة البَقَر، وبها وَحدهَا فقط، فالرَّصاصةُ التي تَنطلقُ أولاً هي
    القاتلة، وهي التي تُنهي المُبارَزَة!!!([4])



    لهذا فإنِّي أقول دائماً: البَيتُ لا
    يخرب بالفؤوس والمعاول التي تعمل فيه هدماً من الخارج، بل من المسامير والأوتاد
    الصَّغيرة، التي تُدَقُّ فيه مِن الدَّاخل!!



    وعليه؛ فلا يَنبغي أن يَعيب
    السَّلفيُّون – فَقط – على مَن يَحمل في قلبِهِ الضِّغن، والبَغضاء لهم، بل
    يَنبَغي لهم – أيضاً – أن يُفَتِّشوا عَن العيوب في داخلهم، وأن يقولوا حُسناً:
    العيبُ فينا أوَّلاً، وَلْنُفَتِّش عن العيب في أنفسنا لنعلمَهُ منها قبلَ أن
    يعلمَهُ الآخَرون فنُصلحَهُ! فذلك: أحرى أن يَصدَّ عنهم شَرَّة الوِغادة واللُّؤمِ
    التي تَستَقرُّ حُمَّاها في صدورِ خُصومهم.



    وهذا الكتابُ، تَحكي صَفحاتُهُ تَجربةً
    مَنَّ الله بها عَليَّ زُهاءَ ثُلثِ قَرنٍ، رقَّت فيها حواشي النَّفس، وسمتْ فيها
    خواطِرُ القلبِ، وترسَّخَت فيها حقائقُ الإيمان والتَّوحيد الحقّ، ونَبَتَت فيها
    غِراسُ العلم، وضَعُفَت فيها رغائب الآمال، وقَصُرَ فيها غَرْبُ الشهوات،
    وانبَجَسَت فيها عيونُ المَعرفَة، وأبصَرَت العَينُ فيها قذاها، ورأت أردية العجز
    تضطربُ على سيقان الأماني، الجارية في خمائل التَّقوى، فأمسكتْ بها وهي تفوحُ بشذا
    عَرْف الجنَّة، فَغَمرتها، وغابت في ثنيَّاتها، تُصبحُ وتُمسي، وCool على
    آلائه، والشكر له على نعمائِه.



    وكُنتُ أوَدُّ - وهو أحبُّ إليَّ من
    وجهٍ - أن لا أستعمل كلمة السَّلفية والسَّلفيين، خشية أن أُرمى بما كنت عِبتُهُ
    على الجماعات والحركات الإسلاميَّة، قبل سنين خَلَت في مقالٍ لي بعنوان: «إنْ هي
    إلاَّ أسماءٌ فرَّقَت فَدَعوها»، وإن كنت قد بيَّنت في مقال لي آخَر بعده بعنوان
    «لا دفاعاً عن السَّلفية»([5])
    ما تَعني هذه الكلمة، ومِمَّا كتبته في ذلك المقال: «وأوَّلُ ما يجبُ أن نعرفه
    معنى السَّلفية، فهي كلمةٌ، تَنفي بمعناها المُتبادِرِ منها - أيَّ مَعنى يدلُّ
    على حركةٍ سياسيَّةٍ، أو جماعةٍ حزبيَّةٍ، أو تَكتُّلٍ مُتطرِّفٍ غالٍ، فهذه
    كلُّها ومثيلاتُها لا مَوردَ لها إلى كلمة (السَّلفيَّة) ألبتَّة، فمن فهم غَير
    ذلك، أو أُفهم غَير ذلك، فإنَّه مُخالفٌ ولِنَهج السَّلفِ غيرُ سالك، إنَّما
    السَّلفية دعوةٌ فِطريَّةٌ محوطَةٌ بأُخوَّة حقَّةٍ، وتَعاوُنٍ صادِقٍ، فهل لأهلها
    أن يعرفوا ذلك؟!



    وإذا رَددنا هذه الكلمة إلى اللُّغة
    ومقاييسها، فإنَّنا واجدونَ أنَّها مَصدَرٌ صِناعيٌّ، والمصدَر الصِّناعيُّ،
    تَلحَق بآخِرة ياءُ النِّسبةِ مع اقتِرانها بالهاء، يُسكَتُ عليها حينَ الوقفِ،
    وتُقلَبُ تاءً في الوَصل.



    ولا يَخفى على عاقلٍ، أنَّ كلمة
    «السَّلفِيَّة» إنَّما تعني النِّسبة إلى السَّلفِ الصَّالح رضوان الله عليهم،
    والسَّلف «كلُّ عمل صالح قدَّمته، أو فرطٍ فرطَ لك، وكلُّ من تقدَّمك مِن آبائك
    وأقربائكَ»، هذا هو المعنى اللُّغويُّ لكلمة السَّلف.



    وأمَّا في ما اصطلَح عليه جماهيرُ أهل
    العلم فهو:



    مَن تقدَّمنا من هذه الأمَّة، وبخاصَّةٍ
    القرون الثلاثة الأولى، وكانوا على مِنهاجِ النُّبوة، الذي جاءَ به الوحيُ، ونزلَ
    به، وبلَّغهُ كما وعاهُ عن ربِّه، نبيُّه محمد صلى الله عليه وسلم.



    وهو اصطلاحٌ قديمٌ، لم يكن من وَضع مَن
    أصبحوا يُعرَفونَ به ابتداءً، وهذا فرقٌ عظيمٌ ما بَينَ مَن ينتسبون إلى هذه
    النِّسبة الشريفة، وبينَ مَن يَتَسمَّونَ بأسماء أخرى مِن الجماعات والحَركات
    الإسلاميَّة، التي وضع أسماءَها مُؤَسِّسوها.



    ولستُ أحسبُ أحداً مِن المُسلمين يَعرف
    هذه النِّسبَةَ على حقيقها، إلاَّ وهو يَعلمُ أنّها نسبةٌ إلى الإسلام كلِّه،
    بأحكامِهِ وآدابِهِ، وأخلاقِهِ وعقيدَتِهِ، كما أمَرَ الله سبحانهُ {يأَيُّهَا
    الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [سورة البقرة: آية 208]،
    وكما أمَر نبيُّه صلى الله عليه وسلم: «عليكُم بسنَّتي وسُنَّة الخُلفاء المَهديين
    الرَّاشدين مِن بعدي، عَضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإيَّاكم ومُحدثاتِ الأمور، فإنَّ
    كلَّ مُحدثةٍ بِدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةُ»([6]).



    والسَّلفية
    بهذا المعنى، ليسَت حِكراً على فئة من النَّاس، عُرفوا بهذه النِّسبة، إمَّا من
    تِلقاء أنفسهم وإمَّا من تَلقيبِ غيرهم لهم بها.



    لذا؛
    فإنَّه لا يحسن أن يُفاجأ المُتعصِّبة من أتباعِ المذاهب، إذا قامَ الدَّليلُ على
    أن أئمَّة المذاهب - رحمهم الله - جميعهم سلفيُّون - وما كانوا لِيُعرفوا بها وهم
    كذلك - إلا لأنَّهم على قَدم المُصطفى عليه الصَّلاةُ والسَّلام، وقدمِ أصحابهِ
    رِضوان الله عليهم، وقد عُرفوا بها قبل نُشوءِ الحركاتِ والجماعاتِ الإسلاميَّة
    المُعاصرة بقرونٍ، وحينَ كانت بلاد المُسلمين تَموجُ بفتَن الفِرَق.



    فالأئمةُ
    الأربعةُ - وغيرهُم من أمثالهم - هم سادةُ السَّلفيين، وأئمَّتهم، وهم أيضاً سادةُ
    كلِّ من لا يُحبُّ أن يُنسب إلى هذه النِّسبةِ الشريفة، مِمَّن يَرى في عداوَة
    أهلها واجباً شرعيّاً، وأدباً إسلامياً، وشرفاً دينيَّاً!



    ومرَّة
    أخرى أقول: كنت أودُّ أن لا أستعملَ كلمة (السَّلفية) هذه لما ذكرتُهُ آنفاً، أما
    وقد فرضتْ نفسها، وصارت اصطلاحاً علميِّاً، أقرَّه التَّاريخ، ورضيته الأمَّة
    كلُّها على مرِّ العصور، حتى صِرنا نَسمعُ من يَقول - وقوله غيرُ صواب -: «عقيدةُ
    السَّلف أسلمُ، وعقيدةُ الخَلفِ أحكمُ»([7])
    ، فليس مِن بأسٍ أن نستعملها اصطلاحاً علميَّاً شمولياً مُحكماً.



    ولماذا
    لا يكون في استعمال نسبة الشافعيَّة أو الحنفيَّة مثلاً، ما يُشعرُ بالفُرقة،
    ويكون ذلك في استعمال السَّلفية، في حين أن السَّلفية تَستوعبُ أئمةَ المذاهب
    ومذاهِبهم، وتَستغرق أجيالاً وقروناً، بادَت أو لم تأتِ بعد، وتشمل الزَّمان
    كلَّه، والأرضَ جميعاً.



    إنَّ
    هذا الكتابَ، وهو يَحكي تجربةً علميَّةً، ودعويَّةً، لا يُغفل الرَّدَّ على
    المُفتريات، التي حَشدها بعض مَن كتَب عَن السَّلفية، طعناً ونَيْلاً، ولا بيانَ
    بعض الأخطاءِ التي خالطها بعضُ السَّلفيين، ولا التَّعريف بالأسباب التي انخذل بها
    الذين لم يَثبتوا على المنهج الأبلج الأبهج، وصاروا يحاولون التَّلفيق بين مَناهجَ
    مُتعددَّة، ليُخرجوا من هذا التَّلفيق أضغاثاً، يكونُ منها جميعاً منهجٌ واحدٌ
    (زَعموا)!!



    ولا
    بُدَّ من الإشارةِ، إلى أنَّ العِلم لم يُؤتَ بانتفاضٍ، أو انتقاصٍ، بمثلِ ما أوتي
    من المتعالِمينَ المُتطاولينَ، وأنَّ منهج الحق هذا، يحتاج دعاةً علماءَ أتقياءَ،
    أوفياءَ، أصفياءَ، أنقياءَ، لا يُغلَبون، ولا يُغالبون إلا بالحقِّ، وبالحقِّ
    وحَده.



    وشرفٌ
    عظيمٌ أن يكونَ مِقوَلُ الحقِّ هو الأعلى، يسوقُ النَّاسَ إلى بابه، ويُغذيهم من
    حِلابه، ويُمدهم من خَبءِ جِرابِه.



    وليس
    أصدق في الوصول إلى صوابِ الحُكم على أمرٍ ما، من التَّجربة الذاتيَّة،
    المُتجردَةِ من عَنعَنات الرِّواية، وأسانيد الحكاية، تهديكَ إليه في غير انقطاع
    ولا تحيُّرٍ.



    وكلَّما
    اتَّسعت دائرة التَّجربةِ - لتشملَ الأحداثَ، وشخوصَها، وأحوالَها، ومتعلَّقاتِها،
    سواءٌ القريبة منها والبَعيدة، وكان لصاحب هذه التَّجربة تعلُّق دائمٌ بها، تمتدُّ
    زماناً، يَكفي لاستحكام التَّجربةِ، واستيثاقها في نفسه - كانت (التَّجربةُ) أمكنَ
    في الصَّواب، وأظهَر في الدَّلالةِ([8])
    عليه، وأهدى سبيلاً في الانتهاء إليه.



    وليس
    يحسُن بصاحب مثل هذه التجربة، أن يضُمَّها إلى صَدره في حرص عليها، أن تنفَلِتَ
    منه فيُبصرَ بها الآخرون، ولا أن يُكتِّمها في نفسه، خشيةً من أن يكون للنَّاسِ
    علمٌ بها فَتشيعَ فيهم من قبل أن يَبْرءُوا سبيلها، ولا أن يَحوزوها حِرزاً
    نَفيساً، لا يطَّلعُ عليه إلاَّ من ترسَّخَت في قلبه مودَّتهم وصُحبتُهم.



    بل
    إنَّ واجباً على صاحب هذه التَّجربة، أن يُرخيَ الحَبل لتجربته على غاربه، لتنطلقَ
    في النَّاس، تُكلِّمهم أنَّهم في غَفلةٍ غافلةٍ عنها، ولو كانوا أرادوا الخيرَ
    لأنفسهم لَهمُّوا بها مِن قبلُ.



    وعليه
    - أيضاً - أن يجعلَ من لسانِه آلةً أمينةً، تُلقي في أسماعهم حديثاً مُبرءاً من
    وَشوَشات الصَّمت، وتَمتمات الوقْر، وأن لا يَضِنَّ بها على أحدٍ في الناس -
    مُسلماً كان أم غيرَ مُسلم - لئلاَّ يكون لهم حجَّة عليها، أو على صاحبها، يَعرف
    منها المسلم، أنَّ أصلَ هذه التجربة، هو دينه المُحكم، بعقيدته السَّمحةِ
    الواضحةِ، وشريعته السَّهلة المُبيَّنة.



    ويعرفُ
    منها غير المسلم، أن أصلها هو الحقُّ الذي لُبِّسَ به عليه، فانصرف عنه غير آسفٍ
    عليه، ولا راغبٍ فيه، ومضى عنه بعيداً بعيداً، يَبحث عن حق غيره، كنزهُ أحبارٌ من
    كلِّ دينٍ، وهم يَتلونَ قول الله سبحانهُ: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله
    الإِسْلاَمُ} [سورة آل عمران: آية 19] وقوله: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ
    دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [سورة آل عمران: آية 85].



    إنها تجربةٌ ذاتيةٌ، تقلَّبتُ في
    أعطافها في غضارة الشباب، وتضمَّختُ بِخَلوقِها الذَّكي منذ يفاعةِ العمر، ومشيت
    في ركابها، أسمعُ حُداءَها النَّديَّ، ثلاثةَ عقودٍ ونيفاً، أملأُ منه جوانحَ
    صدري، ويسري تطريبُه في أوصال جَسَدي، وتَهْمي منه عيوني شوقاً إلى لُقيا داعيهِ
    الأوَّل.



    عشتُ هذه التَّجربة بعقلي، علماً
    ومعرفةً، وبقلبي نوراً وهدى، وبذاتي سلوكاً والتزاماً، فلا -والله- ما خَدَعتُها
    ولا خَدَعتني (وحاشاها)، وما أضمرتُ لها إلاَّ الوفاء والحب، فأنالَتني من شرف ما
    فيها ومن فيها، وسعيتُ إليها في علانيّةٍ شارقةٍ، فآذنتني بأحسن ما فيها ومَن فيها
    (وما فيها إلا حَسَنٌ، وكلُّ من فيها على أحسَنِها فهو حسنٌ)، وتعفَّفتُ بها عن
    نوال المُتكسِّبين والمُنيلين، فألقَت على منكبيَّ برداءِ القناعةِ المُوشَّى
    بِعرف التَّقوى، وطهارة الغِنى، والحمدُ لله الذي بنعمته تتمُّ الصَّالحات([9]).



    تجربةٌ ظاهرها هو باطنُها، ولفظُها هو
    معناها، واسْمُها هو فَحواها، أرخَت ذيولها على جَمر البَغضاءِ ففثأته، ونفَثَت من
    صَدرها الحاني على الجَهل فأذهَبته، وتجلَّلت سوادَ الأهواءِ العاشية بنورها
    وضيائها ففرَّقتهُ.



    امتدَّت
    على القرون، بأجيالها، وركبانها، وأقيالها، وأوفرت لهم الجمَّ الغَفير من جَلالها
    وكمالها وجمالها، وأنالت أيديَهم أعناقَ السُّحُب، فانهلَّت عليهم فضلاً من
    مآقيها، وألقت إليهم بِبُردها المخموم بإحسانها.



    تجربةٌ
    سادت الدُّنيا بفِكرها، وعَقيدَتها، وعلمِها، وسَراتِها، وحِلَقِها، ومدارِسها،
    ومَكتباتها، عَزيزةَ الجانب، بهيَةَ الطَّلعَةِ، نَديَّةَ الكفِّ، عفَّةَ
    اللِّسانِ، مِعطاءَة الجَنانِ، طاهرَةَ الذَّيل، جَمَّة الوفاءِ، في غير استحياءٍ،
    ولا استخفاءٍ، ولا مُخادعةٍ، وكيف لا...؟! وهي السُّـنَّة والكتابُ، وطابُ
    اللُّباب، وجَرَع الصَّواب.



    تجربة
    من استشفى بها أسرعَ إليه الشِّفاء، ومَن رامَها حكمةً، وعصمةً، وشرفاً لم يُخطىء
    الرَّوم، ومَن فاءَ إليها بعد فترةٍ وطولِ انقطاعٍ أوَى إلى جناحِه الفَيءُ.



    وها
    أنذا أضعُ هذه التجربةَ -التي تفضَّل الله بها عليَّ- هبةً غيرَ ممنونةٍ ولا
    مَمنوعةٍ، وأقامني بها على الحقِّ الذي أراده سبحانَهُ لعبادِهِ، وأوثقني إليها في
    رضا، وطواعية، وصدق - بين يَدَي «الأُمَّة»، لا أبغي بها حِوَلاً عن خَير
    «أَمَّة»، قصُرت أمْ طالَت بي «الأُمَّة»([10]).



    سائلاً
    ربي سبحانه -أن يجعل مني مفتاحَ خيرٍ، مِغلاقَ شرٍ، مقبلاً بحق، معرضاً عن باطلٍ،
    باذلاً لمعروفٍ ممسكاً عن منكرٍ، إنه سميعٌ قريبٌ مجيبٌ([11]).









     



    أغاليطُ ظالمةٌ وتَمويهاتٌ غائِمَة



     



    لستُ هنا بصَدَد مماراةِ الذين طَعنوا
    على السَّـلفية، ولا الـرَّدُ على الذين سلقوها بألسنتهم الحِداد، ولا النَّيل من
    الذين قالوا فيها ما لا يُقال؛ بل ويَحرُم أن يقال، فكم من عائب أمراً، عابَ نفسَهُ
    بعيبه به، مِن بعد ما تَبيَّنَ له الحقُّ فلم يجد العيبَ إلاَّ فيه، وكم من طاعن،
    طَعَن نفسهُ بحملِ الناسِ عليه، فلم يَجد بُداً من الصَّمت، وكم من رأيٍ قاتلٍ،
    سُلِبَ صاحبُهُ الصَّوابَ بسوءِ ظنِّه في النَّاس.



    فحسنٌ بالمؤمن إذاً -إن لُبِّس الحقُّ
    عليه، وغامَت الحقيقةُ بينَ يديه- أن يَستَبينَ الحق من أهله، سماعاً، أو قراءةً،
    أو رُؤيَةً، حتَّى يكونَ من الواقفين بالتَّسليم المُطلق، عند حُدود قول الله
    سبحانه: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ
    فَتَبَيَّنُواْ} [سورة الحجرات: أية 6]، فلا يَريبه الظنُّ بإخوانه المؤمنين، إذ
    «الظن أكذبُ الحديث»([12])،
    فإذا ما لقي واحداً منهم، لقيه بالأدب الذي علَّمَناهُ رسولُ الله صلى الله عليه
    وسلم، إذ كان عليه السَّلام يحب لُقيا إخوانه سليمَ الصَّدر.



    ولقد أكثرَ الطَّاعنون على السَّلفية في
    الماضي والحاضر، ولا أحسبهم -والله الذي لا يُحْلَفُ إلا به- إلا أنهم أُتوا من
    جهل بها، رَبـا عندهم ورَبا، حتى أصبحَ حِقداً شرِساً، لا ينفعُ معه إلاَّ أن
    يُقال: «حسبُنا الله ونِعم الوكيل»، و «إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون»، و «لا حول
    ولا قوَّة إلا بالله العَليِّ العظيم»، فالمصاب -والله- في الأمَّة الآكلةِ ميراث
    نَبيِّها جَلَلٌ، والتَّهوين منه، لا يُرضي إلاَّ مَن سُلبَ حظاً من إرادته،
    وأرادَ نفسهُ بما بقيَ مِن هذه الإرادة، على غيرِ ما يصلُح عليه شأنُه، وهل
    يُستراد مذهبٌ لمؤمنٍ في حياته الدُّنيا من غيره، وهو قادرٌ أن يَستريده بإرادته؟



    وهل في زماننا مَن يَملك أن يَستريدَ مذهباً يُحسبُ فيه أنَّه لا يأخذ
    رأياً












    ([1])
    أعني السلفية الفطرية، غير المكتسِّبةِ بثدييها.







    ([2])
    ما أحسن كلمة قالها في هذا الكتاب، الأخ فتحي أبو عبدالله واضع القواعد الملحقة
    به: «ما عُرف كتابٌ بيَّن منهج السلف خير منه، فهو المحكم وغيره المتشابه» ولست
    إلا ناقلاً قوله، لا مريداً ثناءً، ولا جالباً فضلاً، ولا حريصاً على شيء من نفع.







    ([3])
    كاف: خبر لـ: ثلث في قولي: فثلث قرن.







    ([4])
    وأني لأكاد أقول: لقد أصبح مثل هذا الأمر عادة مستحبَّة عند سلفيتي زماننا، يدعون
    إليه ويتداعون، ويرتحلون من أجله ويجوبون ويقومون ويقعدون، ويسحجون ويصفِّرون،
    ويهيِّجون العواطف ويطربون.







    ([5])
    ثم طبعت مفردة بزيادات مرات عدة.







    ([6])
    رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن العرباض بن سارية، وهو حديث صحيح.







    ([7])
    انظر نقض هذه المقولة في «مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله» (11/366-377).







    ([8])
    تكسر الدال من (دلالة) وتفتح مع تضعيفها.







    ([9])
    وأقول للمتكسِّبين المتسلقين الذين استسهلوا الأمر الصعب لأنفسهم - وقد وجدوا
    السبيل ميسَّرة لهذه الدعوة - حنانيكم، وأربعوا على أنفسكم، وأقصروا من تطاولكم
    وافترائكم وهَمْهَمَةِ المجالس الخفيَّة على من أنْعَمَ عليكم!!







    ([10])
    الأمة في قولي: بين يدي الأمة، بضم الهمزة، تعني: الجماعة، وأمَّةٌ في قولي: عن
    خير أمة بفتح الهمزة، تعني: الملة، وأما الثالثة: بضم الهمزة فتعني: الزمان.












    avatar
    صلاح محمد حسانين
    المدير العام

    النوع : ذكر
    عدد المشاركات : 6402
    العمر : 54
    تاريخ التسجيل : 28/06/2009
    المهنة :
    البلد :
    الهواية :
    مزاجي النهاردة :

    عام رد: قرأت لك (هى السلفية ))

    مُساهمة من طرف صلاح محمد حسانين في 26/7/2012, 2:08 am


    إنَّ الحمدَ لله، نَحمدُهُ ونَستعينُهُ ونَستَغفرُهُ، ونَعوذُ بالله مِن شرورِ أنفُسِنا، ومن سَيِّئاتِ أعمالنا، مَن يَهدِهِ الله فلا مُضِلَّ لهُ، ومَنْ يُضلِل فلا هادِيَ لهُ.
    وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله وَحدَهُ لا شَريكَ لهُ.
    وأشهَدُ أنَّ محمداً عَبدُهُ ورَسولُهُ... أما بعد.
    فهذا كتابٌ مُهمٌّ أوفى عَلى تَجربةٍ قامَت على سُوقِها بَعد نَيِّفٍ وثلاثينَ عاماً، ما بَخِلتُ فيه بشيءٍ مِمَّا أعلَمُ أنَّهُ حقٌّ، يُجْبى إليه مثلُهُ – بالنَّظَر المُتأمِّل، والبَصرِ المُتَعمِّق – مِمَّا يُشبهه، مِمَّا يَجري في حياةِ أُمَّتنا اليَوم، أو مِمَّا سَيَجري فيها من غَدٍ، غيرَ راجٍ به إلاَّ وجهَ الله واليومَ الآخِرِ، فإنْ سألني الله عزَّ وجَلَّ – وهو سائِلُني – هَل نَصحتَ للأُمَّةِ في أمرٍ عَلِمتَهُ، فكان من النَّاسِ حيالَه ظالمٌ لنَفسه، ومُقسطٌ، وسابقٌ بالخَير؟ فيكونُ رجائي أن أكونَ – إن شاءَ الله – مِن السَّابقين بالخَير، والله عندَ حُسن ظَنِّ عَبدِهِ بهِ، إذْ لم أكتُم الأُمَّة شيئاً مِمَّا علمتُهُ حقَّاً فأسديتُ به نُصحاً لها، أو مِمَّا علمتُهُ باطلاً، فكان تحذيرٌ منِّي لها، والله شاهدٌ على ذلك.
    وقد جَعَلتُ هذا الكتابَ في عَشرةِ مباحِثَ، بَيَّنتُ فيها منهجَ الدَّعوة السًّلفية( )، وشرحتُ فيها قواعِدَها وأُصولَها، وَرَددتُ على المُشكِّكينَ بها، الطَّاعنينَ عليها، وأظهَرتُ ما تُخفيهِ نفوسُهُم من الحَسَدِ والمَكْرِ بها، أو الجَهلِ بِحَقيقتِها، ولَبَّيتُ فيه رَغبةَ الكثيرينَ من إخوانِنا وأصحابِنا، نُصرَةً لحَقٍّ، وكَشفاً لباطلٍ، وذَبَّاً عن دَعوةٍ أقامَها الله على عَمودِ النُّور.
    ولا إخالُ مسلماً إلاَّ وهو في حاجَةٍ إلى هذا الكتاب، مُحباً كان أمْ باغِضاً، ليزدادَ المُحبُّ حُباً، ويَعرفَ الباغِضُ أينَ هو بِبُغضِهِ من هذه الدَّعوةِ المبارَكةِ، التي أظَلَّت الدُّنيا زَماناً، وستُظلُّهُ مُستَقبلاً إنْ شاءَ الله، بأفيائها الظَّليلَةِ إلى أن يَرثَ الله الأرضَ ومَن عليها، وذلك وعدُ الله؛ ولَن يُخلفَ الله وعدَهُ( )، {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } [سورة الصف: اّية 9].
    والله سبحانَهُ أسألُ، أنْ يَهديَنا بِنورِهِ إليه، وأنْ يُلزمنا كلمَةَ التَّقوى، ويَجعلنا أهلَها المُخلصين، الرَّاجين رَحمتُه، الخائفينَ عذابَهُ، إنِّه سَميعٌ قَريبٌ مجيبٌ.
    وقـد كـان الفــراغ منه
    ليلةَ السَّابع والعشرين من رَمضان / عام 1412هـ
    الموافق التَّاسع والعشرين من آذار / عام 1992م
    والحمدُ لله الذي بنعمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحات
    {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [سورة النمل: اّية 19].
    كتبه
    محمَّد إبراهيم شقرة
    عمَّان – الأردن



    توْطِئـَــة وَبيــان

    فقد كَثُرتْ في الآوِنَةِ الأخيرةِ الأحاديثُ – إمَّا بِجَهلٍ جاهرٍ، وإمَّا بسوءِ قَصدٍ جائرٍ – عَن السَّلفيَّة والسَّلفيِّين، حتى صارَت بهذه الأحاديث، موضعَ شكٍّ وريبةٍ، لدى كثير من أهل السِّياسةِ، يَخافونَها في أنفُسِهم خوفاً شديداً، وَيَخشونَها كَخَشيتهم أعداءَهُم أو أشدَّ خَشيَةً، ويَتربَّصونَ بها الدَّوائرَ، لظنِّهم أنَّها مُوقعةٌ بهم شرَّاً، أو مُنزلةٌ فيهم نُكراً‍!
    وزاد مِن شكِّهم وريبتِهم، ما وقعَ في بَعضِ الأقطارِ الإسلاميَّة مِن أحداثٍ، نُسبَت زوراً وبُهتاناً إلى الدُّعاةِ السَّلفيِّين – وهم منها والله براءٌ براءةَ الذِّئب من دمِ يوسُف – وصل بعضها إلى حدِّ استِباحَةِ الدِّماءِ، واكتفى بعضها الآخر بالمناوَشة من مكانٍ بعيد، تَختفي حيناً، وتَظهَرُ حيناً، ورُبَّما صاحَبَ الحالَين حَذرٌ شديدٌ من طرَفين، يَلِجَّانِ في خُصومَةٍ في آنٍ معاً، وكلٌّ منهما يتربَّصُ بالآخر خَتْلاً، أو ريبةً، أو مِراءً، حتى إذا أصابَ منهُ غَرَضاً أنفَذَ سهمَهُ فيه، لا ليُدميَه، بل لِيَصْمِيَه!!
    لكنَّ الأمرَ في كل هذه الحالات لا يجاوز دائرة الحَذَر، ثم لا يُخرجْ أضغاثَ الأحقادِ من الصُّدور ، فتَظلُّ مُستَتِرةً، حتى إذا أصابَتها شرارةٌ واحدةٌ اشتَعلَت وأشعَلَت، واحتَرقَت وأحرَقَت، وكان حَصادُها: رؤُوساً، وأرواحاً، ودماءً، وأموالاً مَهدورةً، وثاراتٍ مَوتورَةً، وبيوتاً مَهجورةً، وإحَناً مَسعورَةً، وعداواتٍ ظاهرَةً ومَستورة – عياذاً بالله -!!
    ثمَّ ومع هذا الاختلاط، وغياب العقل الواعي، وبترِ اليد السَّديدة الرَّحيمة، وتَداخُل الأشياءِ والأحداثِ، حتى لا يكادَ يُعرَفُ منها حدثٌ يُنسَبُ إلى طرف ما، نِسبَةَ علم ويَقين، لا تَجِدُ مَن يَتَّقي الله من أولئكَ الذينَ يتَربَّصونَ بالمُسلمينَ الدَّوائر – حتى إنَّهُم ربما كانوا مِن المُسلمين أنفُسهم – فيقول قَولَةَ صِدقٍ، لا يَتَّهمُ طَرفاً دونَ الآخرَ، أو يُدينهُ، بل إنَّهُ لَيُفوِّقُ سهمَهُ، ويُوتِّرُ قَوسَهُ، ثمَّ يرمي به طرَفاً واحداً، مَشحوناً بِحقده على الدِّين والعَقيدة، فيَزيدُ بذلك من إشعالِ نارِ العَداوَةِ، ويوقظُ في النُّفوسِ حِسَّاً خامِداً، يُمدُّهُ أحدُ الطَّرفين متى شاءَ، لتَدمير جسور المَودَّة، والتَّعاونِ، والقَرابَةِ، والجوارِ، ويَومئذٍ يَفرح المُجرمون الآثمونَ، ويَرقُصونَ طَرباً على مزامير الشيطان، أليسَ قَد حقَّقوا ما يُريدون؟! وكان لهم من الشرِّ والفسادِ، والخرابِ، والتَّدمير ما يَبغون؟
    ولقد ظُلِمَت السَّلفيَّة قَديماً وحديثاً ظُلماً شديداً من أوليائها ومِن خُصومِها معاً، ما ليس في طَوقِ البشرِ لو اجتَمعوا على كلمةٍ واحدةٍ، أن يَنصروا أنفُسَهم إلاَّ أن يكونَ فَصلُ العَدل فيه لله وحدَهُ سبحانَهُ، يومَ يقومُ الأشهاد، وتَذوبُ الأبعاد، ويقف فيه أمامَ الميزان العِبادُ.
    بيد أنَّه لا بُدَّ من دَفعِ الظُّلمِ بالحُجّةِ والبُرهان، ما استَطَعنا إلى ذلك سبيلاً، فإنَّ نُصرَة الحَقِّ واجبةٌ، ومظاهرةَ أهل الحقِّ أوجَبُ وأوجَبُ، إذ الحقُّ ظاهرٌ بنَفسِهِ جليٌّ، وهو لو تَبدَّى وحدَهُ – بلا نَصيرٍ ولا ظَهيرٍ – لكان تَبدِّيه يَكفيه نَصيراً وظَهيراً، أمَّا أهلُ الحقِّ فَقَد نُوزعوا في الحقِّ قديماً ولا يَزالون، وكان مِن عداوَةِ أهلِ الباطل لهم لباساً، وشَّاهُ أهلُه بزُخرفِ القولِ، وزور العلم، فأهاجوا عليهم العامَّة، وناصرُوا عليهم أهلَ الجَوْرِ من ذوي الرِّياسة والسُّلطان، وأركَضوا كلَّ آثامهم نَحوَ دورهم، وبيوتهم، ومساجدهم، ومدارسهم، لم يَختلف لهم وجهٌ، ولا لَونٌ، ولا شكلٌ، في زمان دون زمان، وهل عُلِمَ أهل سوءٍ، إلاَّ وباطِلُهم قَد كُوِّرَ على ليلٍ بهيمٍ، لا مكان لحقٍّ فيه، وإن ظُنَّ أنَّ حقاً يكون فيه، فلا يُبصر فيه!!
    وتناوَلتُ في هذا الكتاب بعضَ القضايا والمسائل، التي تدور في فَلَك السَّلفيَّة، مِن غَيرِ قَصدٍ إلى تَرتيب مُعيَّن، ولا إلى نظام عرفهُ المؤلِّفون والكُـتَّاب والباحثون، مِن خلالِ تَجربةٍ عِلميَّةٍ عَمَليَّةٍ، امتَدَّت سنين كثيرةً، لم يكن في حسابي يوماً، أن أجدني قاضياً على نفسي بتجربةٍ، ولا على غيري بِحُكمٍ، قَد يَروقُ بعضاً، ولا يَروق بعضاً آخر، وإن كان يَجدُرُ القول: إنَّ حكم الإنسان على نَفسِهِ، بما يَعلم منها، أصدَقُ وأصوَبُ مِن حُكم غيره عليه، وبِخاصَّة فيما يَتَعلَّقُ بالأعمال القلبيَّةِ التي لا يَعلمُها إلاَّ الله وحدَهُ منه، وحينَ يحكُم الإنسان على نَفسِهِ بِمثلِ ما وَصفنا، يكون أقدَرَ على تَغيير ما يَراه مِن نَفسِهِ خطأً.
    إذاً: فَثُلْثُ قَرنٍ من الزَّمَن – جَاست خلالَ سنواتِهِ تجربةٌ، حَمَلت صاحِبَها على كفِّها راضيَةً مُطمئنَّةً، واثقةً من صدقِهِ في إقبالِهِ إذ أقبل، وإن خُيِّلَ لِبَعضٍ – من أصحابنا وإخوانٍ لنا – بأنَّه كان له إدبار(!) فعاجَت بهم الظُّنون عَوْجَ مَن لَقِفَ قَلْبُهُ أمراً يُحدَّثُ به، غَيرَ مُتَثَبِّتٍ ولا مُتأنٍّ، وكأنَّهُم لم يَقرءُوا قوله سبحانُه:
    {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الله} [سورة الأنفال: اّية 16]، كافٍ( ) في سَبرِ هذه الدَّعوة المُباركةِ، واستظهار حقيقتها، وبناء قناعةٍ مُستَقرَّةٍ، لا يُقبَل غيرها!!
    وليسَ مَطلوباً من إنسانٍ – أيِّ إنسانٍ – وهو يضع نَفسَهُ تحتَ ظُلَّةِ القَضاءِ، يَحكُم على نَفسِهِ بِنَفسِهِ، أن يُظهِرَ خَفايا صَدرِهِ، ومكنونَ قَلبِهِ، ومستورَ ذَنبِهِ، ومَن مِن البَشَر ليسَ يُخفي في صَدره، ويُكنُّ في قلبه، ويستُر على نَفسه من ذَنبه؟! وليسَ في هذا شيءٌ من تَزكيةِ النَّفس، بل هو مِمَّا يزكِّي به الله سبحانهُ عَبدَهُ الصَّانِعَهُ، والله سبحانُه هو وحدَهُ العليمُ الخبيرُ، المُوفِّق للخَير الذي يَرضاهُ لِعبادِه.
    وحينَ يكون الحُكم على منهج، آمن به المَرءُ، وآثرَهُ على كلِّ ما سواهُ، صدَّقَهُ وأحبَّهُ، فإنَّ الأمرَ مُختلفٌ جداً، إذ الحُكمُ عليه عند مَن آمن به وصَدَّقه، لا يَقبَل إخضاعَه للنَّظَر العَقليِّ، والسَّبْر، والاستقصاءِ، والتَّرجيح، وهو يُقارَن بغَيره.
    وإذا كان هذا يَصْدُقُ على كلِّ منهج من مناهج الأرض التي تَواضَعَ عليها البشرُ، فإنَّه لا يَصْدُقُ على المنهج الذي ارتضاهُ ربُّ البَشرِ للبَشرِ.
    ومن أخضَعَ هذا المنهج لهذا النَّظَر، فقد أخَذَ بِخطامِ نَفسِهِ إلى مباءةِ إثم، وساقَها إلى مُنحَدرِ هَلاك، وحَمَلها على غَضبٍ من الله وعقاب.
    ولو أنَّ أهل العلم في كلِّ عَصرٍ، استبصروا الحقَّ واستنطقوه، وأحلُّوا أنفسَهُم منه مكاناً لا ظِنَّة فيه ولا امتراء، لرَأوا أنَّه يَقضي عليهم؛ بأن لا يُبصروا إلاَّ ذلك المنهج الأبلج الأبهج، أمام أعينهم، فلا يَضِلُّ عنهم، ولا يُضِلُّون أنفسَهُم عنه، وكيف يَضِلُّ هو أو يُضَلُّون عنه، وهو الذي تداعَت إليه القرون، وذلَّت له الشِّعاب الحُزون، وانقادَت إليه كلُّ سَهْلَةٍ وحَرونٍ؟
    ولا أدري كيف، ولا لماذا أنشأ أعداءُ هذا المنهج عداوتَهم في صدورهم، ونشَّأوا قلوبهم في بُغضِه، وتنافَسوا في المَكرِ والكَيدِ له ولأهله، وألَّفوا الكتب والرَّسائلَ في تَشويه وجهِه، وتَنفير النَّاس منه؟
    نَعَم؛ قَد يَجدُ المَرءُ العَدلُ البَصيرُ عُذراً في مثل هذا الصَّنيع، فيمن وجَدوا أنفسَهُم – بعلمهم – موثوقين بِرُممٍ مُحكَمةِ الفَتلِ، إلى جذوع الضَّلالِ والجَهلِ، تَنزعُ بهم إلى أسناخِ الرَّفض الباطنيِّ، والزَّيغ الاعتزالي، والغَولِ الفَلسَفيِّ، فيَنفضُ منهم يديه، ويُعَزِّي نفسه أن لو كانوا يعلمون الغَيب، ما ألبثوا أنفسهم، ولا أقاموها في البلاء المُبين، الذي نَسجوا رِداءه الخَشِنَ الغَليظَ لأنفسهم بأنفسهم هم!!
    وقد أعانَ هؤلاءِ على صنيعهم هذا، ما يقع في بعض الأحيان بينَ بعض مُلتزمي هذا المنهج، مِن خلافٍ، وصِدامٍ، وقطيعةٍ، إن أحسَنتَ الظَّنَّ بهم في ما أجرَوا على أنفسهم، وأجازوه لها، مِن خلافٍ، وصِدامٍ، وقطيعَةٍ، فلا يَعدو أن يَكونَ منشؤهُ تنافُساً بينهم – لطبيعتهم البشرية – على أمورٍ دُنيويَّة، ليسَ فيها حتى مِن رَغبةٍ لعمل الآخِرَة!
    ثمَّ لا يَلبَثُ أن يُحَوِّلوه بتَزيين النَّفس له ولها، إلى خلافٍ في حقٍّ وفي باطل، فهذا يَرى نفسه بأنَّهُ على حقٍّ لا شِيَةَ فيه، وأنَّ الآخَرَ على باطل لا شائبةً من حقٍّ فيه، والآخر يُري نَفسَهُ ما أرى خصمه نفسه، ويذوب الخلاف على أمور الدُّنيا في الظَّاهر، والصُّدور مستَعرةٌ بغضاءَ وكراهيةً وتربُّصاً بالشرِّ، عياذاً بالله تعالى، ويحيكونَ – كل للآخَر – ثوباً مِن هذه البَغضاءِ والكراهية والتَّربُّصِ بالشرِّ، والفائزُ منهم هو الأسرعُ بإلقائه الثَّوبَ الذي حاكه على الآخر، ولا يذكِّرُني هذا الصَّنيع، إلاّ بمُبارزات رُعاة البَقَر، وبها وَحدهَا فقط، فالرَّصاصةُ التي تَنطلقُ أولاً هي القاتلة، وهي التي تُنهي المُبارَزَة!!!( )
    لهذا فإنِّي أقول دائماً: البَيتُ لا يخرب بالفؤوس والمعاول التي تعمل فيه هدماً من الخارج، بل من المسامير والأوتاد الصَّغيرة، التي تُدَقُّ فيه مِن الدَّاخل!!
    وعليه؛ فلا يَنبغي أن يَعيب السَّلفيُّون – فَقط – على مَن يَحمل في قلبِهِ الضِّغن، والبَغضاء لهم، بل يَنبَغي لهم – أيضاً – أن يُفَتِّشوا عَن العيوب في داخلهم، وأن يقولوا حُسناً: العيبُ فينا أوَّلاً، وَلْنُفَتِّش عن العيب في أنفسنا لنعلمَهُ منها قبلَ أن يعلمَهُ الآخَرون فنُصلحَهُ! فذلك: أحرى أن يَصدَّ عنهم شَرَّة الوِغادة واللُّؤمِ التي تَستَقرُّ حُمَّاها في صدورِ خُصومهم.
    وهذا الكتابُ، تَحكي صَفحاتُهُ تَجربةً مَنَّ الله بها عَليَّ زُهاءَ ثُلثِ قَرنٍ، رقَّت فيها حواشي النَّفس، وسمتْ فيها خواطِرُ القلبِ، وترسَّخَت فيها حقائقُ الإيمان والتَّوحيد الحقّ، ونَبَتَت فيها غِراسُ العلم، وضَعُفَت فيها رغائب الآمال، وقَصُرَ فيها غَرْبُ الشهوات، وانبَجَسَت فيها عيونُ المَعرفَة، وأبصَرَت العَينُ فيها قذاها، ورأت أردية العجز تضطربُ على سيقان الأماني، الجارية في خمائل التَّقوى، فأمسكتْ بها وهي تفوحُ بشذا عَرْف الجنَّة، فَغَمرتها، وغابت في ثنيَّاتها، تُصبحُ وتُمسي، وCool على آلائه، والشكر له على نعمائِه.
    وكُنتُ أوَدُّ - وهو أحبُّ إليَّ من وجهٍ - أن لا أستعمل كلمة السَّلفية والسَّلفيين، خشية أن أُرمى بما كنت عِبتُهُ على الجماعات والحركات الإسلاميَّة، قبل سنين خَلَت في مقالٍ لي بعنوان: «إنْ هي إلاَّ أسماءٌ فرَّقَت فَدَعوها»، وإن كنت قد بيَّنت في مقال لي آخَر بعده بعنوان «لا دفاعاً عن السَّلفية»( ) ما تَعني هذه الكلمة، ومِمَّا كتبته في ذلك المقال: «وأوَّلُ ما يجبُ أن نعرفه معنى السَّلفية، فهي كلمةٌ، تَنفي بمعناها المُتبادِرِ منها - أيَّ مَعنى يدلُّ على حركةٍ سياسيَّةٍ، أو جماعةٍ حزبيَّةٍ، أو تَكتُّلٍ مُتطرِّفٍ غالٍ، فهذه كلُّها ومثيلاتُها لا مَوردَ لها إلى كلمة (السَّلفيَّة) ألبتَّة، فمن فهم غَير ذلك، أو أُفهم غَير ذلك، فإنَّه مُخالفٌ ولِنَهج السَّلفِ غيرُ سالك، إنَّما السَّلفية دعوةٌ فِطريَّةٌ محوطَةٌ بأُخوَّة حقَّةٍ، وتَعاوُنٍ صادِقٍ، فهل لأهلها أن يعرفوا ذلك؟!
    وإذا رَددنا هذه الكلمة إلى اللُّغة ومقاييسها، فإنَّنا واجدونَ أنَّها مَصدَرٌ صِناعيٌّ، والمصدَر الصِّناعيُّ، تَلحَق بآخِرة ياءُ النِّسبةِ مع اقتِرانها بالهاء، يُسكَتُ عليها حينَ الوقفِ، وتُقلَبُ تاءً في الوَصل.
    ولا يَخفى على عاقلٍ، أنَّ كلمة «السَّلفِيَّة» إنَّما تعني النِّسبة إلى السَّلفِ الصَّالح رضوان الله عليهم، والسَّلف «كلُّ عمل صالح قدَّمته، أو فرطٍ فرطَ لك، وكلُّ من تقدَّمك مِن آبائك وأقربائكَ»، هذا هو المعنى اللُّغويُّ لكلمة السَّلف.
    وأمَّا في ما اصطلَح عليه جماهيرُ أهل العلم فهو:
    مَن تقدَّمنا من هذه الأمَّة، وبخاصَّةٍ القرون الثلاثة الأولى، وكانوا على مِنهاجِ النُّبوة، الذي جاءَ به الوحيُ، ونزلَ به، وبلَّغهُ كما وعاهُ عن ربِّه، نبيُّه محمد صلى الله عليه وسلم.
    وهو اصطلاحٌ قديمٌ، لم يكن من وَضع مَن أصبحوا يُعرَفونَ به ابتداءً، وهذا فرقٌ عظيمٌ ما بَينَ مَن ينتسبون إلى هذه النِّسبة الشريفة، وبينَ مَن يَتَسمَّونَ بأسماء أخرى مِن الجماعات والحَركات الإسلاميَّة، التي وضع أسماءَها مُؤَسِّسوها.
    ولستُ أحسبُ أحداً مِن المُسلمين يَعرف هذه النِّسبَةَ على حقيقها، إلاَّ وهو يَعلمُ أنّها نسبةٌ إلى الإسلام كلِّه، بأحكامِهِ وآدابِهِ، وأخلاقِهِ وعقيدَتِهِ، كما أمَرَ الله سبحانهُ {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [سورة البقرة: آية 208]، وكما أمَر نبيُّه صلى الله عليه وسلم: «عليكُم بسنَّتي وسُنَّة الخُلفاء المَهديين الرَّاشدين مِن بعدي، عَضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإيَّاكم ومُحدثاتِ الأمور، فإنَّ كلَّ مُحدثةٍ بِدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةُ»( ).
    والسَّلفية بهذا المعنى، ليسَت حِكراً على فئة من النَّاس، عُرفوا بهذه النِّسبة، إمَّا من تِلقاء أنفسهم وإمَّا من تَلقيبِ غيرهم لهم بها.
    لذا؛ فإنَّه لا يحسن أن يُفاجأ المُتعصِّبة من أتباعِ المذاهب، إذا قامَ الدَّليلُ على أن أئمَّة المذاهب - رحمهم الله - جميعهم سلفيُّون - وما كانوا لِيُعرفوا بها وهم كذلك - إلا لأنَّهم على قَدم المُصطفى عليه الصَّلاةُ والسَّلام، وقدمِ أصحابهِ رِضوان الله عليهم، وقد عُرفوا بها قبل نُشوءِ الحركاتِ والجماعاتِ الإسلاميَّة المُعاصرة بقرونٍ، وحينَ كانت بلاد المُسلمين تَموجُ بفتَن الفِرَق.
    فالأئمةُ الأربعةُ - وغيرهُم من أمثالهم - هم سادةُ السَّلفيين، وأئمَّتهم، وهم أيضاً سادةُ كلِّ من لا يُحبُّ أن يُنسب إلى هذه النِّسبةِ الشريفة، مِمَّن يَرى في عداوَة أهلها واجباً شرعيّاً، وأدباً إسلامياً، وشرفاً دينيَّاً!
    ومرَّة أخرى أقول: كنت أودُّ أن لا أستعملَ كلمة (السَّلفية) هذه لما ذكرتُهُ آنفاً، أما وقد فرضتْ نفسها، وصارت اصطلاحاً علميِّاً، أقرَّه التَّاريخ، ورضيته الأمَّة كلُّها على مرِّ العصور، حتى صِرنا نَسمعُ من يَقول - وقوله غيرُ صواب -: «عقيدةُ السَّلف أسلمُ، وعقيدةُ الخَلفِ أحكمُ»( ) ، فليس مِن بأسٍ أن نستعملها اصطلاحاً علميَّاً شمولياً مُحكماً.
    ولماذا لا يكون في استعمال نسبة الشافعيَّة أو الحنفيَّة مثلاً، ما يُشعرُ بالفُرقة، ويكون ذلك في استعمال السَّلفية، في حين أن السَّلفية تَستوعبُ أئمةَ المذاهب ومذاهِبهم، وتَستغرق أجيالاً وقروناً، بادَت أو لم تأتِ بعد، وتشمل الزَّمان كلَّه، والأرضَ جميعاً.
    إنَّ هذا الكتابَ، وهو يَحكي تجربةً علميَّةً، ودعويَّةً، لا يُغفل الرَّدَّ على المُفتريات، التي حَشدها بعض مَن كتَب عَن السَّلفية، طعناً ونَيْلاً، ولا بيانَ بعض الأخطاءِ التي خالطها بعضُ السَّلفيين، ولا التَّعريف بالأسباب التي انخذل بها الذين لم يَثبتوا على المنهج الأبلج الأبهج، وصاروا يحاولون التَّلفيق بين مَناهجَ مُتعددَّة، ليُخرجوا من هذا التَّلفيق أضغاثاً، يكونُ منها جميعاً منهجٌ واحدٌ (زَعموا)!!
    ولا بُدَّ من الإشارةِ، إلى أنَّ العِلم لم يُؤتَ بانتفاضٍ، أو انتقاصٍ، بمثلِ ما أوتي من المتعالِمينَ المُتطاولينَ، وأنَّ منهج الحق هذا، يحتاج دعاةً علماءَ أتقياءَ، أوفياءَ، أصفياءَ، أنقياءَ، لا يُغلَبون، ولا يُغالبون إلا بالحقِّ، وبالحقِّ وحَده.
    وشرفٌ عظيمٌ أن يكونَ مِقوَلُ الحقِّ هو الأعلى، يسوقُ النَّاسَ إلى بابه، ويُغذيهم من حِلابه، ويُمدهم من خَبءِ جِرابِه.
    وليس أصدق في الوصول إلى صوابِ الحُكم على أمرٍ ما، من التَّجربة الذاتيَّة، المُتجردَةِ من عَنعَنات الرِّواية، وأسانيد الحكاية، تهديكَ إليه في غير انقطاع ولا تحيُّرٍ.
    وكلَّما اتَّسعت دائرة التَّجربةِ - لتشملَ الأحداثَ، وشخوصَها، وأحوالَها، ومتعلَّقاتِها، سواءٌ القريبة منها والبَعيدة، وكان لصاحب هذه التَّجربة تعلُّق دائمٌ بها، تمتدُّ زماناً، يَكفي لاستحكام التَّجربةِ، واستيثاقها في نفسه - كانت (التَّجربةُ) أمكنَ في الصَّواب، وأظهَر في الدَّلالةِ( ) عليه، وأهدى سبيلاً في الانتهاء إليه.
    وليس يحسُن بصاحب مثل هذه التجربة، أن يضُمَّها إلى صَدره في حرص عليها، أن تنفَلِتَ منه فيُبصرَ بها الآخرون، ولا أن يُكتِّمها في نفسه، خشيةً من أن يكون للنَّاسِ علمٌ بها فَتشيعَ فيهم من قبل أن يَبْرءُوا سبيلها، ولا أن يَحوزوها حِرزاً نَفيساً، لا يطَّلعُ عليه إلاَّ من ترسَّخَت في قلبه مودَّتهم وصُحبتُهم.
    بل إنَّ واجباً على صاحب هذه التَّجربة، أن يُرخيَ الحَبل لتجربته على غاربه، لتنطلقَ في النَّاس، تُكلِّمهم أنَّهم في غَفلةٍ غافلةٍ عنها، ولو كانوا أرادوا الخيرَ لأنفسهم لَهمُّوا بها مِن قبلُ.
    وعليه - أيضاً - أن يجعلَ من لسانِه آلةً أمينةً، تُلقي في أسماعهم حديثاً مُبرءاً من وَشوَشات الصَّمت، وتَمتمات الوقْر، وأن لا يَضِنَّ بها على أحدٍ في الناس - مُسلماً كان أم غيرَ مُسلم - لئلاَّ يكون لهم حجَّة عليها، أو على صاحبها، يَعرف منها المسلم، أنَّ أصلَ هذه التجربة، هو دينه المُحكم، بعقيدته السَّمحةِ الواضحةِ، وشريعته السَّهلة المُبيَّنة.
    ويعرفُ منها غير المسلم، أن أصلها هو الحقُّ الذي لُبِّسَ به عليه، فانصرف عنه غير آسفٍ عليه، ولا راغبٍ فيه، ومضى عنه بعيداً بعيداً، يَبحث عن حق غيره، كنزهُ أحبارٌ من كلِّ دينٍ، وهم يَتلونَ قول الله سبحانهُ: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإِسْلاَمُ} [سورة آل عمران: آية 19] وقوله: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [سورة آل عمران: آية 85].
    إنها تجربةٌ ذاتيةٌ، تقلَّبتُ في أعطافها في غضارة الشباب، وتضمَّختُ بِخَلوقِها الذَّكي منذ يفاعةِ العمر، ومشيت في ركابها، أسمعُ حُداءَها النَّديَّ، ثلاثةَ عقودٍ ونيفاً، أملأُ منه جوانحَ صدري، ويسري تطريبُه في أوصال جَسَدي، وتَهْمي منه عيوني شوقاً إلى لُقيا داعيهِ الأوَّل.
    عشتُ هذه التَّجربة بعقلي، علماً ومعرفةً، وبقلبي نوراً وهدى، وبذاتي سلوكاً والتزاماً، فلا -والله- ما خَدَعتُها ولا خَدَعتني (وحاشاها)، وما أضمرتُ لها إلاَّ الوفاء والحب، فأنالَتني من شرف ما فيها ومن فيها، وسعيتُ إليها في علانيّةٍ شارقةٍ، فآذنتني بأحسن ما فيها ومَن فيها (وما فيها إلا حَسَنٌ، وكلُّ من فيها على أحسَنِها فهو حسنٌ)، وتعفَّفتُ بها عن نوال المُتكسِّبين والمُنيلين، فألقَت على منكبيَّ برداءِ القناعةِ المُوشَّى بِعرف التَّقوى، وطهارة الغِنى، والحمدُ لله الذي بنعمته تتمُّ الصَّالحات( ).
    تجربةٌ ظاهرها هو باطنُها، ولفظُها هو معناها، واسْمُها هو فَحواها، أرخَت ذيولها على جَمر البَغضاءِ ففثأته، ونفَثَت من صَدرها الحاني على الجَهل فأذهَبته، وتجلَّلت سوادَ الأهواءِ العاشية بنورها وضيائها ففرَّقتهُ.
    امتدَّت على القرون، بأجيالها، وركبانها، وأقيالها، وأوفرت لهم الجمَّ الغَفير من جَلالها وكمالها وجمالها، وأنالت أيديَهم أعناقَ السُّحُب، فانهلَّت عليهم فضلاً من مآقيها، وألقت إليهم بِبُردها المخموم بإحسانها.
    تجربةٌ سادت الدُّنيا بفِكرها، وعَقيدَتها، وعلمِها، وسَراتِها، وحِلَقِها، ومدارِسها، ومَكتباتها، عَزيزةَ الجانب، بهيَةَ الطَّلعَةِ، نَديَّةَ الكفِّ، عفَّةَ اللِّسانِ، مِعطاءَة الجَنانِ، طاهرَةَ الذَّيل، جَمَّة الوفاءِ، في غير استحياءٍ، ولا استخفاءٍ، ولا مُخادعةٍ، وكيف لا...؟! وهي السُّـنَّة والكتابُ، وطابُ اللُّباب، وجَرَع الصَّواب.
    تجربة من استشفى بها أسرعَ إليه الشِّفاء، ومَن رامَها حكمةً، وعصمةً، وشرفاً لم يُخطىء الرَّوم، ومَن فاءَ إليها بعد فترةٍ وطولِ انقطاعٍ أوَى إلى جناحِه الفَيءُ.
    وها أنذا أضعُ هذه التجربةَ -التي تفضَّل الله بها عليَّ- هبةً غيرَ ممنونةٍ ولا مَمنوعةٍ، وأقامني بها على الحقِّ الذي أراده سبحانَهُ لعبادِهِ، وأوثقني إليها في رضا، وطواعية، وصدق - بين يَدَي «الأُمَّة»، لا أبغي بها حِوَلاً عن خَير «أَمَّة»، قصُرت أمْ طالَت بي «الأُمَّة»( ).
    سائلاً ربي سبحانه -أن يجعل مني مفتاحَ خيرٍ، مِغلاقَ شرٍ، مقبلاً بحق، معرضاً عن باطلٍ، باذلاً لمعروفٍ ممسكاً عن منكرٍ، إنه سميعٌ قريبٌ مجيبٌ( ).



    أغاليطُ ظالمةٌ وتَمويهاتٌ غائِمَة

    لستُ هنا بصَدَد مماراةِ الذين طَعنوا على السَّـلفية، ولا الـرَّدُ على الذين سلقوها بألسنتهم الحِداد، ولا النَّيل من الذين قالوا فيها ما لا يُقال؛ بل ويَحرُم أن يقال، فكم من عائب أمراً، عابَ نفسَهُ بعيبه به، مِن بعد ما تَبيَّنَ له الحقُّ فلم يجد العيبَ إلاَّ فيه، وكم من طاعن، طَعَن نفسهُ بحملِ الناسِ عليه، فلم يَجد بُداً من الصَّمت، وكم من رأيٍ قاتلٍ، سُلِبَ صاحبُهُ الصَّوابَ بسوءِ ظنِّه في النَّاس.
    فحسنٌ بالمؤمن إذاً -إن لُبِّس الحقُّ عليه، وغامَت الحقيقةُ بينَ يديه- أن يَستَبينَ الحق من أهله، سماعاً، أو قراءةً، أو رُؤيَةً، حتَّى يكونَ من الواقفين بالتَّسليم المُطلق، عند حُدود قول الله سبحانه: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ} [سورة الحجرات: أية 6]، فلا يَريبه الظنُّ بإخوانه المؤمنين، إذ «الظن أكذبُ الحديث»( )، فإذا ما لقي واحداً منهم، لقيه بالأدب الذي علَّمَناهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، إذ كان عليه السَّلام يحب لُقيا إخوانه سليمَ الصَّدر.
    ولقد أكثرَ الطَّاعنون على السَّلفية في الماضي والحاضر، ولا أحسبهم -والله الذي لا يُحْلَفُ إلا به- إلا أنهم أُتوا من جهل بها، رَبـا عندهم ورَبا، حتى أصبحَ حِقداً شرِساً، لا ينفعُ معه إلاَّ أن يُقال: «حسبُنا الله ونِعم الوكيل»، و «إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون»، و «لا حول ولا قوَّة إلا بالله العَليِّ العظيم»، فالمصاب -والله- في الأمَّة الآكلةِ ميراث نَبيِّها جَلَلٌ، والتَّهوين منه، لا يُرضي إلاَّ مَن سُلبَ حظاً من إرادته، وأرادَ نفسهُ بما بقيَ مِن هذه الإرادة، على غيرِ ما يصلُح عليه شأنُه، وهل يُستراد مذهبٌ لمؤمنٍ في حياته الدُّنيا من غيره، وهو قادرٌ أن يَستريده بإرادته؟
    وهل في زماننا مَن يَملك أن يَستريدَ مذهباً يُحسبُ فيه أنَّه لا يأخذ رأياً





    avatar
    صلاح محمد حسانين
    المدير العام

    النوع : ذكر
    عدد المشاركات : 6402
    العمر : 54
    تاريخ التسجيل : 28/06/2009
    المهنة :
    البلد :
    الهواية :
    مزاجي النهاردة :

    عام رد: قرأت لك (هى السلفية ))

    مُساهمة من طرف صلاح محمد حسانين في 26/7/2012, 2:23 am

    إنَّ جِماعَ الرَّأي السَّديد، لا يكون
    إلا في البَصر بالأشياءِ التي يَعرفُ بها المؤمنُ نفسه أنَّه على حقٍّ فيما
    يُقدَّر أن يكون منها.



    وذلك محتاجٌ منه أن يكون على علم يتكافأُ
    مع علم مَن يَعيب عليه أمره، وهذا هو الحقُّ، ولقد -والله- علمنا أنَّ الطَّاعنين
    على السَّلفية، إنَّما طَعنوا عليها بظلم أو بجَهلٍ، والظُلمُ ظُلُمات، والجهلُ من
    المُهلِكاتِ المُرديات!! والعاقلُ من يُسرعُ إلى النَّجاة قبلَ الفَوات!!



    ولقد أتبعتُ هذه الأغاليطَ
    والتَّمويهـاتِ - وهي جـمٌّ غفيرٌ، مُلفَّعةٌ بأهواءِ ظالمةٍ، وأحقادٍ سَوداءَ
    عارمة - فاخترتُ منها رُؤوسها، وأبَنْتُ للنَّاس زيفَها وعُوارها، من غيرِ ذكرٍ
    لأسماءِ الذين تمنَّوا بها على الشيطان الأمانيّ، وغرَّهم في دينهم ما كانوا
    يفترون، تاركاً للقارئ أن يعرفَ أو أن لا يعرف، والله المُستعان على ما يَصفون.






    (أ)
    مِمَّا قالوا
    :
    «نحنُ لا نُريد مُناقَشةَ آراءِ السَّلفية، وأفكارَهم التي يُعرفون بها، لا
    بالتَّصويب ولا بالتَّخطئة، صَوناً لألسنتنا وأقلامنا أن تَزِلَّ، ونحنُ -إذ
    نُريدُ الإصلاح ما استطعنا - نعرض لها عَرضاً علميَّاً موضوعيَّاً، مبنيَّاً على
    النَّظرةِ الشمولِيَّة، نَستقرئُ بها السَّلفية من كلِّ جوانبها، كما يشهد بذلك
    التَّاريخ عليها» اهـ.



    إن كانَ هذا قولَهم، فلِمَ إذاً
    يُجمِّلون كتبهم، ومقالاتهم بالطَّعن عليها، وتجريح علمائها، وروَّادها
    المُستقدمين منهم والمُستأخرين؟! لماذا يعمدون إلى الكلمات النَّاطقـةِ بالبراءةِ
    من كلِّ ما يثلُم الكلام، برَّأت السَّلفيَّة وعلماءَها، فيلوونَ أعناقَها -
    ليسوقوها إلى غَير مواضعها، فَيستَنطِقوها بغير ما تنطِقُ به، ولا تومـئُ إليه،
    ويُحمِّلوها، ما لا يَجْمُلُ بمسلم أن يَقوله في غَير مُسلمٍ؟!



    ألم يقرؤوا قول الله سبحانه: {وَلاَ
    يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ
    أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [سورة المائدة: آية 8]، فيكونُ منهم العَدلُ مع غير
    المُسلمين، قبل أن يَكونَ مع إخوانهم المؤمنين؟!!



    هل من العَدلِ، الذي أمر الله سبحانهُ
    في هذه الآية وغيرها، أن أُلبِّس على النَّاس بالهَوى، ابتغاءَ مرضاةِ مَن لا يَرى
    الحق إلاَّ على لسانه، وفي قلمه، ثمَّ هو يَجري في مضمارهم، مُرخِياً الحبلَ لهواه
    على غاربه، غير راج لقاءَ ربِّه، ولا ناظرٍ في أمرٍ يعرف أنَّه سيبعثُ معه من
    قبره، ليكون شاهداً له أو عليه؟



    إي والله، لكأنَّما لا يَرى حقَّاً عليه
    لمُسلمٍ، يحملهُ على نُصرته، إلاَّ بما استماله إليه هواه الجانحُ به عَن سواءِ
    السَّبيل.



    ثمَّ، أليس في مسيرَة السَّلفية،
    بعقيدتها، وفقهها، ونُبلائها، وتاريخها، ما يُمدَح، حتى لا يكون من مدحٍ لها عند
    من يعرضونها عَرضاً علميَّاً موضوعيَّاً، على حَدِّ قولهم؟



    إنَّه لمِنَ الظُّلم الشديد أن أعرفَ
    أمراً يَستحقُّ به صاحبُه الثَّناءَ، ثمَّ أُمسكَ عنه خَشيةً مِن ذمٍّ يَلحقني من
    آخرين.



    ثمَّ إن كان عندهم ما تُمدح به
    السَّلفية، فإنَّ في ذكرهم إيَّاهُ ما يحمل على إحسان الظنِّ فيها، فلماذا يُحجمون
    عنه، أيكون ذلك جالباً لحُسنِ الظَّنِّ أم لسوءِ الظَّنِّ؟‍



    أن يعمـلَ المُسلم على جلب حسن الظَّنِّ
    هو لا شكّ من بـاب قـول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى}
    [سورة المائدة: 2]، وأن يعمل على درئه عنه، هو من بـاب قولـه تعالى: {وَلاَ
    تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [سورة المائدة: 2].



    وممَّا لا رَيبَ فيه، أن حَملَ النَّاسِ
    على إساءَةِ الظَّنِّ في مُسلم -بأي سبيل كـان نُطقاً، أو إمسـاكاً - هو من باب
    الإعانَةِ على المُنكر، أو الاشتراكِ في الإثم، حريٌّ بالمؤمن أن يَكونَ منه على
    بَيِّنةٍ، كيلا يواقع إثماً، تُمسُّه إيَّاه أعراضُ إخوانه المؤمنين.



    وأشدُّ من هؤلاء طَعناً على السَّلفية،
    وإذايةً لها نفرٌ من أهل العلم، اتَّخذوا العلمَ مهنةً، شُهروا في النَّاس بالجمع
    والتَّحقيق، وبلغوا في ذلك شأواً بعيـداً، سلَّمَ لهم فيه العلماءُ وطلاَّبُ العلم
    بالبَراعةِ والإتقان، وكانَ لهم اهتمامٌ خاصٌّ بكتب ابن تَيميَّة وابن القَيم
    رحمهما الله تعالى، وغيرهما من ينابيع العلم الثرَّة من علماءِ السَّلف.



    ولم يَكُن هذا بمانِعهم، من أن
    يُظاهِروا سراً وعلانيةً بعض الذين يَلْوونَ ألسنتَهم في شيخ الإسلام، وعَلَم
    الأعلام الإمام ابن تَيميَّة رحمه الله تَضليلاً أو تَكفيراً، ذلك السَّيفِ الذي
    كَسر رقبة الشرك، وخضد شوكتَهُ، وأذهَبَ ضيَعته، فهل هذا من الدِّين والتَّقوى؟‍



    ولا أدري كيف سيقابل هؤلاء ربهم يوم
    القيامة وهو سائلهم لا رَيب: ما الذي حملهم على مُظاهرَة هؤلاء الذين طَعنوا على
    ابن تَيميَّة رحمه الله، وأضرابه من الأعلام سَرَّاً وعلانية، فماذا سيكون جوابهم
    يوم يَلقون ربَّهم، ويقف ابن تَيميَّة -بِتَبتُّلِهِ، وزُهدِهِ، وجهادِهِ،
    وعلمِهِ، وصالحِ عملِهِ -ولا نُزكِّيه على الله- وقلمِهِ، ولسانِهِ، وقلبِهِ،
    وعقلِهِ، وغير هؤلاء الشهود، التي تنطق أمامَ الله، بأنه واحدٌ من آيات الله،
    أظهَرَ الله به الحقَّ، وخَذَل به الباطل، وأعلى به منارَ الإسلام، وكَبَتَ به
    خُصوم التَّوحيد، وكتب الله على يَديه كثيراً من معنى قوله سبحانه: {كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ
    أَنَاْ وَرُسُلِي} [سورة المجادلة: آية 21] - لأنه واحدٌ من أفذاذِ أنصارِ
    الرُّسل، وخِيار أتباعهم - قائلاً لربِّه سبحانَهُ: لقد جاهدتُ في سبيلك، وأنفقتُ
    من عَقلي، وقلبي، وجَسدي، ومالي، وبذَلتُ ما بَلَغْتَهُ يدي حلالاً؟‍‍!!



    إنَّ الذين ظاهروا هؤلاء الذين عَصفت
    بهم أحقادُهُم وصَفَقـوا في سوق الجهل والهَوى معاً ببضاعةٍ مُزجاة، في غَير أناةٍ
    ولا صبرٍ، حتى أوقَعَتهم في القول بكفر ابن تَيميَّة رحمه الله، ليسوا أقلَّ إثماً
    وافتراءً منهم على الحق وأهله، من أُولئك الذين ظاهروهم.



    إذاً فليَنظروا جيِّداً قول الله
    سبحانه: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ
    يَتَسَاءَلُونَ} [سورة المؤمنون: آية 101]، ليعلموا أين هم في هذه الآية؟



    فهؤلاء - وإن كان البعيدُ عنهم يحسبهم
    سلفيِّين، لاشتغالهم بعلم السًّلف، وجَهله بِحالهم - فهم ليسوا من السَّلفية، ولا
    السَّلفيَّة منهم في شيء!



    ومَمَّا يَحسُنُ لفتُ النَّظر إليه،
    أنَّ السَّلفية منهاجٌ متكاملٌ، لا تَقَع في إطارها السَّليم - الذي يستبين فيه
    معناها الصَّحيح، وتَتَّضح حقيقتها، وتَجري منه على أوضَح سنَنٍ، وأقوَم جادَّة -
    إلا إن كان على وفق مـا جَرَت عليه في قرونها الثَّلاثة الأولى، أمَّا إن بدا فيها
    عُوارٌ، ينبئُ عن غير ذلك، فهي ليست تلك السَّلفيَّة ذاتَ المنهج المتكامل، التي
    عرفتها القرون الثَّلاثة الأولى، ولن تكون سلفيَّة إلاَّ إن زال منها ذلك العُوار.



    وحينئذٍ، لا يقال: سلفيَّة صحيحة
    مُسقتيمة، وسلفيَّة غير صحيحة ولا سليمة - كما يطيب لبعض أن يقسِّموا هذا
    التَّقسيم، فالسَّلفيَّة لا تكون سلفيَّة إلاَّ بمنهاجها المتكامل العتيق، الذي
    تستوي به على ساقها، أصلها ثابتٌ في الأرض، وفرعها في السَّماءِ، ثمرتُها، أمةٌ
    عرفت صدق نفسها مع خالقها، في توحيدها إياه، ولزومها شريعته، واستقامتها على أمرِ
    ربِّها سبحانه، ولن يَضيرَ السَّلفيَّة أن يقولَ فيها خصومُها اليوم - من عداوةٍ
    مستحرَّةٍ فيهم، أو أولياؤها - من جهل وسوءِ ظنٍّ منهم - ما يقولون، فلطالما قالوا
    فيها من قبلُ، وظلَّت قلعةً منيعَةً صامدَةً، وستظلُّ - إن شاء الله - كذلك، ما
    دامَ في هذه الأمَّةِ من يعرف قدرَ نفسه بالانتساب والولاء لها.



    وليس
    يبرِّىءَ نفراً أو طائفةً، ممن ينتسبون إلى السَّلفية مجرَّدُ ادعائهم أنَّهم على
    منهج السلف الصالح، واستمساكهم بحبلهم الموصـول بالنبي صلى الله عليه وسلم - وهم
    في حقيقة الأمر وواقع الحال ليسوا على شيء مما يقولون ويدَّعون - فأولئك بريئون من
    السَّلفية، والسَّلفية بريئةٌ منهم، إذ السَّلفية منهجٌ متكامل، شيَّدته أذرع
    الأولين السابقين، وما كان على من بعدهم إلا أن يحافظوا عليه ويحرسوه، فلما أن صار
    مركباً سهلاً لشهوات الصائدين في غَفَلاتِ الصيد، أضحى على صفقة الغادي إلى سوق
    السِّلاب.



    (ب)
    مِمَّا قالوا
    :
    «يجب اتِّباع السَّلف، بكونِهم أفهم للنُّصوص، لسلامة لغتهم ولمُخالطتهم رسول الله
    صلى الله عليه وسلم» اهـ.



    هذا كلامٌ حَسَنٌ جميلٌ، يُحمدُ به
    قائله، أو كاتُبه، أو قائلوه أو كـاتبوه، إن كانَ يَجعَل لجهمور علماءَ السَّلف
    -رحمهم الله- على تعاقب القرون - منذ
    القرون الثلاثة الأولى - حظَّاً من هذا القَول، أمَّا إن كان يُرادُ به الصَّحابة
    وحدهم، أو القَرنان التَّاليان له إن زاد عليه، ويَنفي عن خلف السَّلف ما أثبت
    لأولئكَ -أي سلف السَّلف- فإنَّه كيلٌ بصاعَين، ووزن بميزانَين، وهذا - رضي أم أبى
    ذلك المُثبت النَّافي - إجحافٌ، ليـسَ يحسن بطالب علم مبتدئٍ - فضلاً عن واحدٍ
    ذاعَ في النَّاس صِيتُه، وشاعَ في الأمَّة كتابُه، واشتهر أنَّه مِن العلماء
    الكبار، بِشاراتِهم العلميَّة، ومؤلّفاتهم الكثيرة، وألقابِهم المُثيرة!!



    نعم؛ إنَّ اجتماع سلامه اللُّغة،
    واستقامة الألسن بها، إلى التَّلقِّـي المباشر عَن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
    أصلٌ مُهمٌّ جداً في العلم بكتابِ الله وآيه، وبالسُّـنَّة ونصوصها.



    ولسنا نَدَّعي أنَّ لغَة القرن الرَّابع
    عَشر - بضعفها علـى ألسنة سواد الأمَّة الأعظم، وعلى أقلام كتَّابها، وشعرائها،
    وأُدبائها - تَرقـى إلى لغَة القَرن الأوَّل، باستقامتها على ألسُن أهل ذلك
    القَـرن، فهي فيهم سجيَّةٌ، وفي هذا القَرن مُكتسبةٌ بقواعدها، وقوانينها،
    ومُصطلحاتها.



    وإذا أضفنا إلى ضَعف اللُّغة على ألسنة
    أبناءِ الأمَّة في القـرون المُتأخرة، البُعدَ الزَّمني، الذي حِيلَ به بيننا،
    وبين شخص الرَّسول صلى الله عليه وسلم، رؤيةً، وسماعاً، ومُخالطةً، فإنَّا مدركون
    - لا محالة - أنه لم يبقَ أمامَنا إلاَّ الجَهدُ العَقليُّ في الوقـوف على السُّنن
    والآثار، التي حفظتها القرون الأولى، تحفُّه إرادةٌ جادَّةٌ، وعزيمةٌ صادقةٌ، وإخلاصٌ صادقٌ، تمضي بنا إلى
    استظهار آي الكتاب، ونصوص السُّـنَّة بأقسامها، سَبْراً، وفهماً، وتعلُّماً، ليسلم
    لكُلِّ مُنتَسب بحق إلى المنهج العلمي السَّلفي، قَدْرٌ من سيرة أولئك الذيـن
    عاشوا في أكناف النُّبوَّة، فحُقَّ لهـم - أي: لبعض منهم - أن يحصَّلوا ما لم
    تحصِّله القرون الآتية من بعدهم، وإن كان بعضٌ من أبناءِ القرون الآتية - من بعد
    القَرن الأوَّل - أصابوا من الحفظ والرواية والمعرفة والدِّراية، ما لم يُصب
    الكثيـرون من أبناءِ القرن الأوَّل، وهذا فضلُ الله يُؤتيه من يشاءُ.



    وهذا يعني بداهةً، أنَّ الذين تحقَّق
    لهم الأخذُ المباشر عَن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وسلامةُ اللُّغة، ما كانوا
    على قَدْرٍ واحدٍ من المعرفة العلميَّة، بل كان بينهم تفاوتٌ، حفظته لنا كُتُب
    الرِّجال والتَّراجم، كما هو الحالُ بين علماءِ كلِّ قرن.



    وهذا التَّفاوت، ربَّما أظهر لنا أنَّ
    بعضاً من علماء القرون الآتية بعد القرن الأوَّل، أحاطوا بما لم يُحط به بعضُ
    علماء تلك القرون الثلاثة الأولى، وهذا لا يَعني تفضيلَ القرون الآتية من بعد
    القرون الأولى عليها، فقد فازَت الثَّلاثة بقصب السبَّق بشهادة نبيِّنا صلى الله
    عليه وسلم، وثنائه عليها([1]).



    فاعتقاد أنَّ السَّلفية مرحلة زَمنية
    مُباركة، وقفَت عند نهاية القرون الثَّلاثة الأولى، وانتهت إليها، وحطَّت رحلَها
    أمامها وانقُطِعَ بها، دعوى باطلة مَنكورةٌ، لا دليلَ عليها، ولا ينبغي (لعاقل) أن
    يستمسك بها، وقد ظهر له أنَّ خيراً له منها الرُّجوع عنها!!



    فَنحن على مثـل اليقين، أنَّ السَّلفية،
    زمانُها الزَّمان كلُّه، ومكانُها الأرض كلُّها، تَجري موقورةً، بخَيرها، وعطائها،
    ورجالها على عَين ربِّها سبحانـه، حتى تَلقى صاحبها، ورُبَّانها، ومبلِّغها، رسول
    الله صلى الله عليه وسلم علـى حَوضِه بأصْلَيْهَا: كتاب الله وسنَّة رسوله صلى
    الله عليه وسلم، «ولن يَتفرَّقا حتى يَرِدا عليَّ الحوض»([2]).



    إذاً: فليس بضائرنا أن نعيش معها في
    كلِّ زمانٍ، وفي كلِّ مكانٍ من الأرض، راغبين عَن الطَّاعنين عليها، غير متألِّين،
    ولا باخعين، ولا آمِّين رُقْبى سفاهةٍ وإضلال، آخذين بهَدي كتاب ربِّنا سبحانُه:
    {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [سورة الأعراف: آية 199]، ولَسنا في ذلك إلاَّ
    قائلين في ظلِّ هَدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان المثلَ اليُحتَذى في
    صَبره الجميل.



    ثمَّ؛ هل كانَ (البَوْطُ) - وهو
    الافتقارُ والذِّلَّةُ - لامـرئٍ في عقلِـهِ إلاَّ من جَهلٍ مُربعٍ، وفي دينه
    إلاَّ من فجـورٍ دافـق، وفي علمِهِ إلاَّ من كبرٍ سابغٍ، وطَوْلٍ بالباطلِ، وغرورٍ
    جامح، تلجُّ بها كلُّهان ليَرمي بقَوسِ افترائِه ومَيْنِهِ مَن إذا ذُكرَ، لم يكن
    له حظٌ معه إلاَّ خمولُ الذِّكر، وإذا رامهُ بإعناتٍ انقُطِعَ به نَفسُهُ، وإذا
    وجَّه إليه مطيَّة، أسرعَت نحوهُ، لتضع جِرَانَها بين يديه في خضوع غير ناكث! ألاَ
    باطَ بدِلَّةٍ، وناءَ بفقرٍ، ودُثر بخِزي مَن لا يعرفُ قدرَ نفسه!!!



    ومع
    ذلكَ يَستعلي باسمِه، ويَتفاخَرُ بشهادتِه، ويَستكبِرُ بِعمامته!!



    (ج)
    مِمَّا قالوا
    :
    «إنَّ السَّلف لم يَدْعوا النَّاس إلى الأخذ بأقوالهم، وأعمالهم، مرتّباً على ذلك،
    أنَّ للعالم أو لطالب العلم، أن يَدَع أقوال السَّلف -على شدَّة تحرِّيهم الحقَّ،
    وصدقِ اتِّباعهم، وحسنِ أخذهم- إلى غيرها من أقوال غيرهم مِمَّن ليسوا على منهج
    السلف» اهـ.



    ولكأني بهذا القائل هذا القولَ، ومن كان
    على شاكلته، يجدونَ لأنفسهم العذر في طرح مذهب السَّلف، والأخذ بمذاهب الأئمَّة
    المَشهورةِ.



    إمَّا لبعد العهد بيننا وبين القرون
    الثَّلاثة الأولى، وقد قيَّض الله للأُمَّة هؤلاء الأئمَّة، فأراحوها من عناء
    البحث العلمي، والاجتهاد في تحصيل الأحكام من أدلَّتها الخافية عنَّا.



    وإمَّا لأنَّهم أعلمُ الأمَّة، فليس
    لأحدٍ من بعدهم، أن يُزاحمهم، أو يَظهر عليهم.



    وإمَّا لأنَّ الأمَّة قد أجمعت من بعد
    ظهور هذه المذاهب على قبولها، وإسلام القياد العِلْميِّ الفِقْهيِّ لأصحابها، فإن
    يظهر في الأمَّة من بعدهم هذا فإنَّه لا يعني تفريق كلمة الأمَّة، واشتداد حدَّة
    الاختلاف، واتِّساع رقعة العداوة فيها.



    ولا أحسبُ أنَّه يغيب عَن هذا القائل،
    أنَّ أصحاب المذاهب -رحمهم الله تعالى- لم يُنشئوا مذاهب، قالوا بوجوب اتِّباعها،
    والتَّقيُّد بها، وعدم المُخالفة عن الآراءِ والأقوالِ التي حُشدت في كتبها.



    كما وأحسبني أنَّني لسـت في حاجةٍ إلى
    تذكير هذا القائل: بأنَّ للمَرءِ أن يختار ما يشاءُ من هذه المذاهب، للتقيُّد به
    وتقليد إمامه، إن رأى نفسه عاجـزاً عن إدراك مَرتبةِ الاتِّباع أو الاجتهاد،
    بالاصطـلاح العلمي المعروف.



    وإذْ ذلك كذلك، فلماذا يُعاب على مَن
    يقلِّد عُمر، أو أبا بكر، أو آخر غيرهما، إذا وصل إليه مذهبه، وأحاط بمسائله؟
    أو يُنكَر عليه مثلاً تقليدُ غَير
    الأئمَّة الأربعة في بعض المسائل؟ إن كان يظنُّ أنَّ مَن يصنع ذلك، إنَّمـا
    يتسلَّق سُلَّماً عالياً لا يَقوى على الوصول إلى أعلاه، فنقول: يكفي أن يَصِلَ
    نصفَه، أو أدنى درجاته، المهمّ: أنَّه كان لديه الشجاعةُ في التَّفكير في صعود هذا
    السُّلَّم!!



    ومن البداهة بمكان، أنَّه لا يجوز -لمن
    يختار مذهباً أيَّ مذهب- الاعتقادُ أو الظَّنُّ، أن تخيُّره هذا، صيَّره إلى قطعةٍ
    من هذا المذهب الذي اختاره، حتى إنَّه ليرى أنَّ أقصرَ الطُّرق إلى هذا المذهب،
    أنَّه ما على مَن يريد التقيُّد بمذهب ما، إلاَّ أن ينظر في شخص إمامه، فيتَّخذه
    دليلاً على صحَّة المسألة، أو المسائل من هذا المذهب، فإنَّـه لم يَصِرْ إلى
    حـالٍ، يكون فيها معصوماً، باختيار هذا المذهب الذي أكسبه هذه العصمة المظنونة.



    ثم إنَّ ادِّعاءَهم عدمَ دعوة السَّلف
    إلى الأخذ بمذهبهم، يرادُ به الغضُّ من قدرهم، لما في هذه الدَّعوى عليهم من
    سَوْقِ تهمة التَّناقض، ونسبتهم إليها، ذلكم أنَّ طبيعةالدَّعوة السَّلفيَّة تأبى
    عليهم أن لا يَدْعوا النَّاسَ إليها، وهم يقرءُونَ قولَ الله سبحانه:



    {قُـلْ هَــذِهِ سَبِـيلـِي أَدْعُـو
    إِلَى الله عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [سورة يوسف: آية 108]،
    وقـولَ الرَّسول الكريـم صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنَّتي وسنَّـة الخلفـاء
    الرَّاشـدين المَهديِّين من بَعـدي، عَضُّوا عليها بالنَّـواجـذ»([3])،
    فليس لهم أن يَدَعوا النَّاس إلى ما هم فيه، بدَعوى أنَّ الحريَّة المذهبيَّة تقضي
    بذلك، وليخْتر لنفسه أيَّ المذاهب شاءَ.



    نعم؛ إنَّ السَّلفية أماطت اللِّثام عن
    كثير من الحقائق، والأصولِ المذهبيَّة، التي لو عاش قائلوها إلى يومنا هذا لما
    وسعهم إلاَّ التَّبَرُّءُ منها، وتحذيرُ النَّاس من الأخذ بها، والدَّعوة إليها،
    فإنَّ أولى الناس باتِّباع الحق، وسلوك طريقه، هم أئمَّةُ المذاهب رحمهم الله.



    لذا فإنَّ موقفهم من مذاهبهـم - كان
    موقفَ الحَـذِرِ اليَقظِ التَّقيِّ - الذي يعلم علم اليقين أنَّ كلَّ البشر،
    يُؤخَذ منهم، ويُردُّ عليهم إلاَّ من نزل عليه القُرآن، وبلَّغه النَّاسَ، وكان
    فيما بلَّغه منه، {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله
    وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ
    وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [سورة النساء: آية 59].



    وهم قَد أفضَوا إلى ربِّهم، وخرجوا من
    الدُّنيا وقد تركوا من ورائهم أقوالاً وكلماتٍ هي أبرُّ بهم من كلِّ قولٍ قالوه من
    غير دليل، أو بدليلٍ ثمَّ ظهر لهم ثانٍ وثالثٌ، يردُّ قولهم ذاك، إن نظر فيها
    المنصف، علم أنَّ الحقَّ فيها، على أيِّ لسانٍ أتَت، ومن أيِّ فم خرجت، دليلهم
    فيها وإليها تقواهم، التي وُهبوا بها العلمَ ووَهبُوهُ، وهُدوا إلى الحقِّ وهَدَوا
    إليه، ورُفعوا بها في منازل الدُّنيا ورَفعوا إليها، وأوفرُهم في ذلك حظّاً، هم
    أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرى الحيُّ منهم نفسه متأخِّراً في العلم
    والفضل عَمَّن سبقوه إلى ربِّهم، فيقول فيهم ابن مسعود رضي الله عنه: «مَـن كـان
    مُستنَّاً فليستَـنَّ بمَن قد مات، فإنَّ الحيَّ لا تؤمنُ عليه الفتن، أولئك أصحاب
    رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبرُّ النَّاس قلوباً، وأغزرهم علماً، وأقلُّهم
    تكلُّفاً»([4]).



    وليس غيرُ عبدالله بن مسعود رضي الله
    عنه وعنهم، براغب عَن هذه الكلمة، التي تركها عبدالله من بعده للأُمَّة، من بقي
    منهم، ولا التابعين الذين أدركوه، فهؤلاء جميعاً كانوا ولا زالوا يشربون من
    الرَّاوية الدَّافئة، التي تَركها رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثاً لهم.



    وقد مضى علماء السَّلف على مثل هذا
    القول المُحكَم البديع في كلِّ القرون - وما خلا قرنٌ منهم - أخبيةَ علم، وكوانفَ
    فضل، سُقيَتْ بها الشِّعاب، والجبال، والسُّهول، والقيعان، فازْدانَت بخضرة العلم،
    وطابَت بشذى الفضل، وظلت بهم الأمَّة خَير أمَّةٍ، مُمسكةً بعواصم الهُدى، عاضَّةً
    على وصائل التَّقوى، آخذةً بأجفانِ الجهاد.



    وقد ضمَّت مكتباتُ العلم في أرجاء
    الدُّنيا، كتباً ورسائلَ ودواوين، مُلئت بأقوالٍ، وكلماتٍ، وقصائدَ، وأراجيزَ -
    تداعَت إليها من كلِّ صُقْع وأُفق - لكأنَّما كلُّ مؤلَّفٍ من مؤلِّفيها شاخصٌ
    بذاته، وناطقٌ بلسانه، وداع ببيانِه، يحذّر الأمَّة بكلِّ ما سطَّر وكتب، أن تعدل
    عَن منهج السَّلف، الذي فاز به السَّابقون الأوَّلون، وحسنت به رفقتهم بما كتبوا،
    أحياءً وأمواتاً، فأعذَروا، ووَفَّوا، وبَرُّوا.



    وبهذه الكتب والرَّسائل والدَّواوين،
    عَرَف النَّاسُ جميعاً، أنَّ كاتبيها، أبرؤُوا ذمَّتهم، وأقاموا الحجَّة على من
    بَعْدهم، فمن قال: إنَّ السَّلفيين لا يَدعون النَّاسَ إلى سلفيَّتهم! فَقَد أعظم
    الفريَة، وقال قولاً ذا عوجٍ وريبةٍ.



    إذاً؛
    فليتَّق الله ربَّهُ، وليَدَع ما تُرهِقُه به نفسهُ الأمَّارَةُ صُعوداً، ولْينظُر
    ما قدَّمَ لغدٍ من سوءٍ أو خَيرٍ، فإنَّ الله سبحانهُ آخذٌ من حقوقِ الطَّاعِنِهم،
    ومُوَفِّيه حسابَه!



    (د)
    مِمَّا قالوا
    :
    «إنَّ التَّغيُّر الذي يحدث للنَّاس في العادات، والتًّقاليد، وتقلُّب الأحوال
    الاجتماعية والبيئيَّة، هو الذي يفرض التَّغيُّر، في المسائل والقضايا التي لها
    تعلُّقٌ بالأحكام الشرعيَّة» اهـ.



    إن هذه المقولة، لا يقصدُ بها قائلوها
    مجرَّد الإخبار بما قَد كان في ظنّهم، بل يُقصد بها الطعنُ على التَّمسك بالأمر
    العتيق، والنَّعي على من يُلزم نفسه - أفراداً وجماعات - هَديَ القُرون الأولى،
    واتِّهامهم بالانغلاق، وضيقِ الأفق والعَطَن، وأنَّهم لا يصلحون لدَعوة النَّاس
    إلى الإسلام الحق!



    فإن كان هذا ما يَرمي إليه أحدٌ من
    قائلي هذه المقولـة فقد -والله- أربى في الظُّلم وأفْقَر (أتـى بداهيةٍ كسَرت
    فَقاره)، وأتى بما لم يأت الأوَّلون والآخرون، وأمكن لأعداءِ الإسلام أن ينالوا
    منه - ظلماً وعُتُوّاً -أكثر مِمَّا نالوا منه من قبل.



    فإنَّ ما قَرَّره الشرعُ الحكيم،
    وبصَّـر به النَّاس من أوَّل يوم بدأ نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم،
    وجرى في نهر القرون، عملاً واعتقاداً، وتعليماً ودعوةً، وتحاكم النَّاس إليه على
    مَرِّ العصور والأجيال، حتى صارَ فيهم قراراً وإلفاً ثابتاً، لا يقبلون عنه
    تحولاً، ولا يَقبلُ هو ذاتـهُ عنهم حِـولاً، إذ قد انعقَدت بين الأُمَّة المُسلمة،
    وبينه - أي: ما قرَّره الشرع - آصرةٌ وثيقةٌ، صنعتها فيهم عقيدة التَّوحيد، بنصوص
    الوَحي المبين، كقوله سبحانه: {شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً
    وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى
    وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ
    مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ
    مَن يُنِيبُ} [سورة الشورى: آية 13].



    وهذه الآيةُ، تُعَدُّ أصلاً من أصول
    منهاج السَّلفيَّة الدَّاعية إلى وحدَة كلمة الأمَّة، وهو منهاج الأنبياء والرُّسل
    قبل نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، فهل يكون ما شرع الله لأنبيائه جميعاً من
    قبلُ مقطوعاً عمَّا شرَع لنا نحن أمَّةَ محمَّد صلى الله عليه وسلم، وبخاصَّةٍ
    وأنَّ الخطاب في هذه الآية للأمَّة، تذكيراً لها بالنِّعمة التي أنعم الله بها
    علينا، وهي نعمة التَّشريع السَّماوي، الذي لا تصلح الدُّنيا إلاَّ عليه، ولا
    يستقيمُ أمر البشر إلاَّ به، ولا يكون صلاحٌ ولا استقامةٌ، إلاَّ بالاجتماع على
    الدِّين كما أوحى الله به إلى رسله وأنبيائه.



    والقاعدةُ الكلِّيَّةُ، التي أسَّس الله
    سبحانه دينَه عليها هي التَّوحيدُ الكاملُ، الذي لا يَتغيَّر ولا يَتبدَّل، وما
    كان لدين أقامه الله على توحيده، أن يتغيَّر أو أن يتبدَّل، وبخاصّةٍ الدِّين الذي
    ختم الله به رسالاته، ولا يُقبل من أحد من البشر دينٌ سواه، فكيف يُساغُ لدين هذا
    شأنُه في الأرض وفي السَّماء، أن تتغيَّر مسائله وقضاياه المتعلِّقة بالأحكام
    الشرعيَّة، بتغيُّر العادات، والتَّقاليد، والأحوال الاجتماعية والبيئيَّة؟! إنَّ
    هذا لشيءٌ عُجاب!! ويكادُ -والله- يذهبُ بالعقول والألباب!!



    ولنا أن نسأل هؤلاء القائلين هذا
    القولَ: أيكون التغيُّر الذي تزعمون هذا، واقعاً على العبادات أيضاً كما هو واقعٌ
    على غيرها؟ نسأل ولا نزيد على السُّؤال، وليكن الجواب منهم وحدهم، لهم وحدهم! فقد
    كُفِيَ غيرهم شرَّ ما أوقعوا فيه هم أنفسهم، نسأل الله السَّلامة والعافية من هذا،
    ومِن كلِّ سوءٍ غيره!!



    وأعجبُ من مقولتِهم هذه، مقولتُهم
    الأخرى، وهي: إنَّ تغيُّر المسائل والقضايا، يتبع التَّغيُّر الذي يقع على الأشياء
    التي خلقها الله لمنافع العباد، ومناطُ التَّكليف الشرعي فيها، إنَّما هو بالأفعال
    المتعلِّقة بهذه الأشياء المخلوقة لمنافع العباد.



    إذاً؛ فإنَّه لمن الجهل الشديد، أن
    نُخضع الأحكام الشرعية لقانون التَّغيُّر، الذي تخضع له الأشياء، والأحوال
    المعاشيَّة، والاجتماعيَّة، والعادات، والتقاليد، فإذا تغيَّرت الأشياءُ والعاداتُ
    والتَّقاليدُ، نُلجئها إلى الأحكام الشرعيَّة، المستمدَّة من أدلَّتها الشرعيَّة
    التي تُصرِّح بأوصاف الأفعال، التي تجري بها أعضاءُ الإنسان، فعلاً وتركـاً،
    ناشئةً من أوامرَ ونواهٍ.



    ألا فهَيهات هَيهات، أن تَذهبَ الليالي
    والأيَّام القادمات، بما أثَبتتهُ الأعوامُ الماضيات والقرونُ الغابرات! وما كان
    للأمَّة إلا أن تجري في الأمر العتيق.



    نعم: إن كان التغيُّر في الأشياء قد
    شملها كلَّها، فإن الأصل يبقى على ما كان عليه، ويكون التغيُّر في الأحكام على قدر
    ما وقع عليه التغيُّر في الأشياء إن كان الحكم عليه غير مكافئ ولا مطابقٍ الحكم
    السابق.



    ولقد
    علمنا أنَّ التغيُّر على نحو ما وصفنا لم يغيِّر من الأحكام على الحادثات شيئاً -
    لأنها محكومة كلُّها بنظام واحد.



    (هـ)
    مِمَّـا قالوا
    :
    «إنَّ مخالفة بعض الخلف لمنهج السَّلف، كان ضرورة، اقتضاها الفتحُ، واتِّسـاع رقعة
    الإسلام، ودخولُ أجناسٍ غير العرب في الدِّين، وثقافاتُهم ليست عربيَّة، فكان لا
    بدَّ إذاً من اعتماد أُسلوب جديدٍ في الاستقراء الاجتهادي، ولسنا نرى من فَـرّقٍ
    بين ما انتهى إليه الخلف باجتهاداتهم، وبين ما انتهى إليه السَّلف باجتهاداتهم،
    ذلكم أنَّ الاختلاف الذي وقع بين مجتهدي الخلف، لم يكن بأكثر من الاختلاف الذي كان
    بين مجتهدي السَّلف» اهـ.



    أقول: هذا كلامٌ تضرب صدورُه أعجازَه،
    وأعجازُه صدورَه، ويحمل في ثنيَّاته نقائضَ واضحةً، لبعض الأغاليط التي سبقته،
    فيكفي أوَّلاً: أنه كلامٌ أقرَّ قائلوه، بأنَّ اختلافاً في الاجتهاد وقع بين
    مجتهدي الخلف، وكان مثلُه بين علماء السَّلف رحمهم الله جميعاً.



    وهنا يحسنُ بنا أن نسأل: ما الحدُّ الذي
    يفصـل بين علماء السَّلف، وبين علماء الخلف، كي نميز بين الفريقين؟



    ولو كان هناك حدٌّ زمنيٌّ واضحٌ يفصلُ
    بينهما، لما كان لنا أن نسأل، فخفاؤه يجعلنا نسأل، ونقول: إنَّ الحدَّ الذي يفصلُ
    بين الفريقين، ليس حدَّاً زمانيَّاً، ولا حدَّاً مكانيَّاً، إنه حدٌّ موصوفٌ وصفاً
    ذِهْنيَّاً فحسب، يُعرف به كلُّ فريق، ويُمازَ به من الآخر، عند أجيال الأمَّة،
    وعلمائها، ومؤرِّخيها.



    فالسَّلف هم الملتزمون منهجَ الكتاب
    والسُّنَّة، لا يحيدون عنه قيدَ أُنملة، ولا يَخْفَون به، مهما حاول مخالفوهم سترَ
    سيرتهم، فَكُتُبُهم، ورسائلُهم، ومؤلفاتُهم، شاهدةٌ عليهم شهودَ الشمس على الأرض
    والحياة فيها.



    والخَلَفُ هم من كان منهم على غير هذا
    المنهج في الاجتهاد والعلم، فأهل الرَّأي، ومن على شاكلتهم في الاجتهاد، من الذيـن
    لم يكن لهم تمكُنٌ من معرفة السُّنَن والآثار، بدَعوى أنَّ الحوادثَ المُستجدَّة،
    تقتَضي توسيعَ الرُّؤيَة، استجابةً أو تَلبيةً لروحِ العَصر، فهؤلاء جميعاً ليسوا
    سلفيِّين في منهجهم.



    لذا، فإنَّ هذه المقولة، ما أنصفَ بها
    قائلُها السَّلف ولا الخلف، لأنَّها نادَّةٌ عن الطَّرفين، قاصِيةٌ عَن الفريقين،
    ومهما حاول أن يَترفَّق في التَّعبير، ويُحسِّن الألفاظ، ويحاول الظُّهور بمظهر
    المُقسط، فإنَّه لا يُغيِّر من الواقع شيئاً، ولا يمكنه أن يجعل الغـرب شرقاً، ولا
    الشرق غَرباً، إلاَّ إن أدرَك الآية الكُبرى، وهي شروق الشمس من المغرب، وغروبها
    في المشرق، فتنقطع به حوبتُه، ولا تنفعه يومئذٍ توبتُه!! ألا باطَ وباطَ!



    ويجدر بنا أن نُعْلِم النَّاس قاطبةً،
    أنَّ هذا المنهج في الاجتهاد، لا يُـذَمُّ به أصحابه، إلاَّ أن يكون منهم تعمُّدٌ
    ظاهرٌ، مقصودٌ في المخالفـة عـن منهج السَّلف، وهم يعلمون به الحقَّ، الذي لا
    ينبغي الحَيد عنه، ويغلب على ظنِّهم أنَّ الحقَّ معهم في ما ذَهبوا إليه، وانتَهوا
    إليه باجتهاداتهم، وأن لا يَغلوا في ظنِّهم، حتى يقول قائلهم: إنَّ اجتهادَنا في
    هذه المسألة أو تلك، أحرى بالأتِّباع والأخذ، لأنَّه أوفى من اجتهاد السَّلف،
    وأوعَبُ في التَّأصيل والتَّفْريع، وأجدرُ في الوصول إلى معرفة الحق والصَّواب.



    نقول هذا، مع علمنا الأكيد، بأنَّ
    نُبـلاء الأعـلام من العلماء المجتهدين، المتأخِّرين، الذين حفظ التَّاريخ ذكرَهم،
    لم يخالفوا جميعُهم عَن منهج السَّلف في الاجتهاد، حتى من خالف السَّلف منهم في
    العقيدة، فلم تَحْملْهُم مُخالَفَتهم لهم في العقيدةِ على الطَّعن عَلى السَّلف،
    ولا على مَنْهجِهِم، فإنَّ للسَّلف عندَهـم منزلةً خاصَّةً، أقاموا بها الحجَّة
    للنَّاس جميعاً، على عظيم حبِّهم، وإجلالهم، وولائهم، إذْ قد علموا بعلمهم وأدبهم،
    أنَّ الأمَّة كلَّها على مدار الحياة، ستظلُّ في مسيس الحاجة إلى السَّلف، في
    عقيدتهم، ومنهجهم العلمي، فهو عقيدةُ التَّوحيد الخالصةُ، وهو المنهج الذي تحقَّق
    فيه حُسـنُ الاتِّباع، والحرصُ الشديد على الإحاطة علماً بكل ما صَدر عنهم من
    علمٍ، بأُصوله وفروعه.



    ومـا أمر ابن حجر العسقلاني، والإمام
    النووي، وابن حزمٍ، وغيرهم من نبلاءِ أعلام الأمَّة بخافٍ على أحد.



    ولا ينبغي أن يغيب عنَّا، أنَّ
    الصَّحابة رضوان الله عليهم جميعاً، هم طليعةُ السَّلف، وأبصرُهم بالسُّـنَّة
    ومواقعها، فِقْهاً واستدلالاً، وأعرفُهم بكتاب الله سبحانه، ومواقع آياته، فقهاً،
    واهتداءً، وأعلمهم بالعربيَّة، لفظاً، ومعنىً، وأداءً، لذلك لم يكونوا بحاجةٍ إلى
    سفسطات علماءِ الكلام، ولا إلى جَدَل النُّظَّار والمناطقة، ولا إلى تلبيسات
    الفلاسفة وشِقْشـِقات ألسنتهم.



    ومن هنا، سَلِمت لهم أصولُ العقيدة،
    واستبانت في عقولهم معالمُ الشريعة، وكانت الفضائلُ النَّفسية، والآداب
    الخُلُقيَّة، تجري عليهم جريانَ الماءِ الرَّقراق في الجداول النَّقيَّة
    الصَّافية.



    وظلَّ منهج الصَّحابة رضي الله عنهم،
    ظاهراً ظهور الشمس في رابعة النَّهار، لكلِّ الأجيال والقرون الآتية من بعدهم،
    فكان لها جميعاً حظٌّ وافرٌ منه، لا عَن اختيار من هذا القرون، بل عَن حاجةٍ
    وضرورةٍ فقد تكفَّل الله سبحانه لهذا المنهج بالحفظ والسَّلامة، ليكون ظهورُ الحق،
    وبقاؤه فيهم.



    وهذا -ولا رَيب- شيءٌ من معنى قوله
    تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [سورة
    الحجـر: آية9]، لذلك كان تحذيـرُ ربِّنا سبحانه لعباده: {وَمَن يُشَاقِقِ
    الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ
    الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً}
    [سورة النساء: آية 115]، وأمرُ نبينا صلى الله عليه وسلم لنا لزوم سنَّتهم مقرونةً
    بسنَّته، «عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الرَّاشدين المَهديين من بَعدي، عَضُّوا
    عَليها بالنَّواجذ»([5])،
    وعدُّ المخالفة عنها إحداثاً في الدِّين: «وإيَّاكم ومُحدّثاتِ الأمور، فإنَّ كلَّ
    مُحدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٍ»([6]).



    فلا جَرَم إذاً أن يبقى منهج الصَّحابة
    محطَّ أنظار طائفة مهديَّةٍ في كلِّ قَرنٍ، تأخذ منه ما به تهتدي هي أوَّلاً، إلى
    الحقِّ، وتَهدي به إليه، وتكون حلقة من سلسلة السَّلفيَّة اللُّؤلؤيَّة، التي كتب
    الله لها البقاء.



    فلماذا
    يُعاب على هؤلاء ما لا يُعاب، وهل درى هؤلاء العائبون بهذا أنَّهم بعيبهم هذا
    إنَّما يَعيبونَ السُّـنَّة والكتاب؟!



    (ز)
    مِمَّا قالوا
    :
    «إنَّ بعضاً من أحبار اليهود، ورهبان النَّصارى، وموابذةِ المجوس، بثُّوا بين
    أعراب الـرُّواة من المُسلمين، أسـاطيرَ وأخباراً في جانب الله، فيها تجسيمٌ
    وتشبيهٌ، وأنَّ بعضاً من علماء الجدلِ من المُتكلِّمين، أُمِروا بتَصنيف الكُتب في
    الرَّدِّ على المُلحدين، والزَّنادقة، وأقاموا البراهين، وأزالوا الشُّـبَه،
    وخَدموا الدِّين» اهـ.



    لكأني بهؤلاء القائلين، يريدون إخراجَ
    السَّلفيِّين والسَّلفيَّة من الإسلام بِرُمَّته، وسوقَهم بين يدي مفترياتهم إلى
    الكُفر البواح، انتقاماً وثأراً، إذ خالفوهم في أُصول العقيدة، وكان يسعُهم أن
    يقولوا قَولاً حسناً، يحملُ عليه وجوبُ إحسان الظَّنِّ بالمُسلمين، ونصبُهُم
    أنفُسَهُم مقيساً عليه والآخرين مقيساً، ليروا: هل يقبلون أن يُحكَمَ عليهم - إن
    كانوا يريدون وجه الله بعلمهم - بما حَكموا به على الآخرين؟!



    وقد سبق وأن قُلنا: «إنَّ السَّلفيَّة
    لا تُحَدُّ بزمانٍ، ولا بمكانٍ، فزمانها الزَّمان كله، ومكانها الأرضُ كلُّها، وهي
    بذلك سِجلُّ الإسـلام، حفظ الله بها دينه، وحرَّز عقيدته، وَمنعها الله من أن
    تُنتَقَصَ أو تُنالَ، أسلمَ لها القيادَ كلُّ مَن يقف مع نصوص الوَحي الأمين، في
    العقيدة والأحكام، وذلك الزَّمان كلَّه، في الأرض كلَّها.



    والسَّلفيَّة - سواءُ في العقيدة، أم في
    الأحكام - هي التي أثنى الله على أهلها في كتابه، ما دام في الأرض لسانٌ ينطق،
    وروحٌ تحرِّك جَسَداً: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ
    وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ
    وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ
    خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة التوبة: آية 100].



    والذين اتَّبعوا المُهاجرين والأنصار
    بإحسان، لا يحجُزهم عنهم زمانٌ، ولا يُحال بينهم وبينهم بمكان، وقد أخذوا عنهم ما
    أخذوا من علم، فما ضَنُّوا عليهم بمسألةٍ، ولا أخفَوا عنهم مقالة، ولا أبطـأُوا
    عليهم بفائدةٍ، سواءٌ أكان ذلك كلُّه في العقيدة أم في الأحكام، فترسَّم أولئكَ
    التَّابعون خُطى من سبقهم من المهاجرين والأنصار - أصحاب رسول الله صلى الله عليه
    وسلم - ترسُّماً فطريَّاً، في غير تكلُّفٍ ولا إرجاءٍ، فكانوا على مثل ما هم عليه،
    في العقيدة والأصول وفي الأحكام والفروع([7])،
    فظلَّت آصِرَةُ الهُدى والحبِّ، عاقدَةً بينهم، على مثـل ما كان بينهم وبين رسول
    الله صلى الله عليه وسلم، فهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مُهاجرين
    وأنصاراً مُجسِّمين، مُشبِّهين، مُأوِّلين؟!



    لا والذي برأ النَّسَمات، وقضى في أُمِّ الكتاب عنده في الآجال والأرزاق،
    ما كانوا مأوِّلين، ولا مُشبِّهين، ولا مُجسِّمين، بل أنْطَقهم ربُّهم












    ([1])
    إشارة إلى الحديث المتفق عليه عن ابن مسعود رضي الله عنه: «خير الناس قرني ثم الذين
    يلونهم ثم الذين يلونهم».







    ([2])
    انظر «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (4/357).







    ([3])
    سبق تخريجه.







    ([4])
    أخرجه ابن عبدالبر في «جامع بيان العلم وفضله» (2/97)، وانظر «مشكاة المصابيح»
    (1/68) والتعليق عليه، وما كانت هذه الشهادة من المتأخرين للسابقين، إلا لأن الذين
    سبقوا، ظلَّ ما قدَّموه من العلم للمتأخرين كاملاً غير منقوص، فحفظ بموتهم لمن
    بعدهم.







    ([5])
    سبق تخريجه.







    ([6])
    وهو تتمة السابق نفسه.







    ([7])
    لم يكن شيءٌ بما يسمَّى بالعقيدة والأُصول والأحكام والفروع معروفاً عند أهل الصدر
    الأول، فكلُّ أولئك وغيره كان هو الدين، وليت الأمر بقي كذلك، لكان خيراً وأحسن
    قيلاً.





    avatar
    صلاح محمد حسانين
    المدير العام

    النوع : ذكر
    عدد المشاركات : 6402
    العمر : 54
    تاريخ التسجيل : 28/06/2009
    المهنة :
    البلد :
    الهواية :
    مزاجي النهاردة :

    عام رد: قرأت لك (هى السلفية ))

    مُساهمة من طرف صلاح محمد حسانين في 26/7/2012, 2:25 am

    بما نطق به كتابُهُ، قرأُوا قوله
    سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [سورة الشورى:
    آية 11]، فأغناهم عن تلمُّس شيء - في ذات الله وصفاته - من الفهم في غيرها، أثبتوا
    ما أثبت الله لنفسه من صفات الكمال، من سمعٍ وبصرِ وغيرهمـا، وقطعوا الطَّمَـع عَن
    إدراك حقائقها، فهي من ذات الله سبحانه، وذاتُه سبحانه غيرُ مُدرَكةٍ، ونَفَوا أن
    يكونَ الله -في صفاته- مُشبِهاً فيها
    شيئاً من خلقه، فكانوا بها في أعلى درجات التَّصديق والصِّدق.



    فمن هو يا تُرى إلى المشبِّهة،
    والمجسِّمة، والمُؤوِّلةِ، ألصقُ وأقربُ، آلذي يُثبتُ لله ما أثبت لنفسه، من غير
    تشبيهٍ ولا تَعطيلٍ ولا تأويلٍ، أم الذي ينفي عَن الله ما أثبته لنفسه، بالتَّعطيل
    والتَّأويل والتشبيه؟!



    فَلْنَنْظُر أيُّ الفريقَين أقربُ إلى
    الصَّواب، وأدنى من الحق؟!



    إنَّ الذي يُنزِّهُ الله سبحانه، بما لم
    يُنزِّه نفسَهُ، هو المُشبِّه المُجسِّم حقيقةً، لأنَّه يُسَوِّي في تنزيهه ربَّه
    سبحانه بينه وبين المخلوقين بالبداءِ، فيـرى لله به ما يراهُ للبشر، فكأنَّ الله
    عنده، ليس حقيقاً بأكثر ممَّا كان للبشر من الصِّفات.



    وقد جرَّهم تعطيلُ الله من صفاته التي
    أثبتها لنفسه، إلى عقائدَ فاسدةٍ كُفريَّةٍ، وصَفوا الله بها من عند أنفسهم
    بأوصافٍ كريهةٍ بغيضةٍ، يأباها لأنفسهم حتى أدنياءُ البشر، فقالوا: إنَّ الله هو
    الكونُ، والكونَ هو الله، (وحدةُ وجودٍ متزندقة)، وقالوا: إنَّ الله حالٌّ في كلِّ
    شيءٍ (حلوليَّةٌ كافرةٌ مارقةٌ).



    ونجد القائلين هذه المقولةَ النَّاسبيها
    إلى أعراب الرُّواة، إن كانوا لا يصدِّقون ولا يَعتقدون مثل هاتين العقيدتين،
    فإنَّهم لا يجدون في أنفسهم حرجاً من مخالطتهم، والرِّضا عنهم، والسُّكوت على
    كُفرهم، فكيف وهم غارقون فيهما، ويرون في مُحاجَّتهم، ومُناظرتهم - لِتَبيينِ الحق
    لهم - تفريقاً للأمَّة، وإثارةً لأمورٍ عَفى عليها الزَّمن، ومَضَت على النَّاس
    وفيهم، فكان منهم حيالها ومنهم، ولا يَفيد المُسلمون من إثارتها، إلاَّ
    تذكُّرَها!!



    إنَّ الذي يُنَزِّه الله، بنفي المعنى
    المُراد من لُغَةٍ مُكوَّنةٍ مِن ألفاظٍ، وكلماتٍ أبدَعَها الله سبحانه، وعلَّم
    خَلقهُ كيف ينطقون بها ليعبدوه بها، ويتقرَّبوا إليه بدلالاتها، ويَهتدوا إلى
    كمالاته المُطلقة بمعانيها، لكأنَّما يستنطق ربَّه - وحاشاه سبحانه - أن يَدَع هذه
    الألفاظَ والكلماتِ - التي أنزلَ بها كتابهُ العربيَّ المُبين على أَعرب العرب
    لساناً، وأفصَحهم بياناً - لخلقه، ويتنزَّل عَن معانيها ودلالاتها التي علَّمهم
    إيَّاها، ليجعلوا لها معانيَ ودلالاتٍ أخرى، غيرَ التي علَّمهم إيَّاها، ثمَّ
    ليُوافقَهم على ما أرادوا من تنزيهه بتلك الألفاظ والكلمات، بمعانيها ودلالاتها
    التي وضعوها لها، ألا ساءَ ما يقولون!



    ثمَّ إنِّي والله لفي عجبٍ لا ينقطع
    مِمَّا يقول هؤلاء، إذ كيف استطاعوا أن يَصِلوا بعلمهم إلـى أنَّ بعضاً من أحبارِ
    اليهود، ورُهبان النَّصارى، وموابذَة المجوس، أدخلوا بين أعراب الرُّواة (هكذا!!)
    من المُسلمين، أساطيرَ وأخباراً في جانب الله، فيها تجسيمٌ وتشبيهٌ، ولم يَصِلوا
    بعلمهم، إلى أنَّ أولئك أنفسهم، هم الذين أدخلوا على مُستعجمة الرُّواة، أساطيرَ
    وأخباراً في جانب الله، جَرَّدوا فيها الخالق سبحانه من صفات الكمـال التي وصفَ
    بها نفسه، وأحَلُّوه بها خلقه، وأطافوه بها على كلِّ مستقذرٍ وقبيحٍ، وجعلوه
    بذاتِه خلقَه؟! أليس هذا مِمَّا يُعجَبُ له ومنه؟!



    ولِمَ نُبعد النُّجعة في طلب الحقِّ
    للرَّدِّ والتَّبرئة، من مثل هذا القول المُفترى على أعراب الرُّواة من المسلمين؟
    الأعراب الذين حفظوا على الأمة تراثها، وزيَّنوا الأرض على رحبها بما أوعبت صدورهم
    من طِلاع نوره!!



    إنَّ ربَّنا سبحانه، يصف نفسه في آيات
    من كتابه بصفات، لا بُدَّ وأنَّ الطَّاعن على هؤلاء الأعراب، يرى بأنَّ ظاهر هذه
    الآيات يستلزم التَّشبيه والتَّجسيم، فهل يكون ربنا سبحانه، مُتَّهماً عند القائلين
    هذا القول، بأنَّه يجسِّم نفسه ويشبِّهُها بخلقه، فَيُسَوُّونَ بذلك -وحاشا
    ربَّنا- بين الله وبين الموابذَة، والرُّهبان، والأحبار؟!



    لكنَّنا إن تذكَّرنا أنَّ الله سبحانه
    -عند طوائفَ منهم- هو الكونُ، وأنَّ الكونَ هو الله، وأنَّه حالٌّ في خلقه بذاته،
    فإنَّ العجب سُرعان ما يذهب ويُدبِرُ!! فلا عجب من أن يكون الله -وحاشاه سبحانه-
    راهباً، أو حبراً، أو موابذاً!! وكُـتُب قدماءِ شيوخهم مليئةٌ بهذه الطَّامَّات!!



    ثمَّ لك بعد ذلك وقبله، أن تتأمَّل قول
    قائلهم: «أعراب الرُّواة»؛ لتعلم كم تحمل من الذَّمِّ والتَّحقير، «وكفى بالمرءِ
    إثماً أن يَحْقِرَ أخـاه»([1])،
    بيد أنِّي أحسب أنَّه على ما يَبدو -يخال- أنَّ الطَّاعن عليه ليس أخاه، إنَّه من
    الأعراب، وليسَ من الأعاجم!! والأعراب فيهم، الجهل، والجفاء، والجبروت، (جيمات
    ثلاثة)، أمَّا أهل الحاضرة، ففيهم أضدادُها، وهي محاسن حُرِمَ منها الأعراب!!



    حسيبك الله يا هذا الباعثَ شعوبيَّةً،
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أُختها الجاهليَّة: «دعوها فإنها مُنتنة»([2])،
    ولا أحسبهُ -يُصلحُ معهُ الصَّبرُ والمُصابرَة، ولا يطهِّرهُ من مَكْره ماءُ
    المُزنِ بالمُكاثرة، ولو غُمِسَ بهواه في ماءِ (الكوثر) (هكذا)! لظلَّت نسبَتهُ
    إليه -أي إلى الكوثـر- عارِمـةً بالمواترَةِ، فلماذا الرضا والسكوت عن موابذة
    الحاضرة ورهبانها وأحبارها، ممن يدَّعون أنهم على دين الحق، وهم على ما رأيت؟



    وتلامذة هذا الشعوبي لا زالوا يعزفون عن
    نايه، ويضربون على وترهِ رُغمَ دعواهم: أنَّهم عربٌ أقحاحٌ، درسوا «المحيط» و
    «الصِّحاح»‍!



    ولو أنَّ هذا القائل أنصف نفسه من نفسه
    -حمانا الله من سُفكَة العُجمة، وفَنَك اللَّجاج في الخصومة، وتسعُّر غيظ الانتصار
    بالهوى وله- لَرَدَّ دعواه إلى نفسه، وصدَّق ظنَّه بظنِّه فيه، ولما أغولت نفسه
    بحصادها المرِّ، فإنَّ الأعراب، بجفائهم، وجبروتهم، وجهلهم بالحواضر وما فيها،
    يبقَوْن عرباً أقحاحاً، بيدهم مقاليدُ اللُّغَة والبيان، وأدرى بمعاني العربيَّة
    ودلالات ألفاظها، وشِعْرها، فكانوا بها سادة الحاضرة قبل البادية، وسُوَّاسَ
    المَدَرِ قبل الوَبَر، لكن العُجمة تأبى إلاَّ أن يظلَّ رداؤُها الشعوبيَّةَ
    المائنة.



    ولست أرى -والله- من يوالي أُولئك -على
    ما فيهم من شعوبيَّة العجم، تأبى عليهم التحوُّل عنها، إلى العربيَّة- والعربيَّة
    هي رداءُ الإسلام، ومادَّةُ إعجازه وبلاغه، وإبلاغه - إلا أنَّهم مثلُ أُولئك، حتى
    وإن كانوا أفصحَ النَّاس لساناً عربيَّاً، وأوثقَهم لصوقاً بعرقِها، وإذا أنت جمعت
    إلى ذلك - مذهبيَّة النَّاصر والمُنتصَر له- ألفيتَ نفسك على استحكامٍ من
    استغاربٍ، لا يزيدك فيهم إلاَّ غموضاً وبعداً!!



    وكان حقيقاً بذلك القائلِ هذا القولَ:
    أن يشكر لله سبحانه فضلَه عليه، أن جعل هذا الدِّين -في ذاته- سهلاً ميسَّراً،
    واضحاً، وأنَّه على يُسره، وسهولته، ووضوحِه في ذاته، حماه الله بأعزِّ لغة،
    وأمنعِها على الأيَّام، وأرفَعِها قَدراً في لغات الأنام، حتى أنعم الله بها عليه،
    فعرف هذه اللُّغَة، وبرعَ في قواعدها وأُصولها، فيسَّر الله له الفقه في هذا
    الدِّين، والعلم بأحكامه، في كنف المذهبيَّة المُرجِفَةِ، فليكن دائماً على محمدة
    من ربِّ السَّماءِ، ولينظر ما قدَّم لغدٍ، وليتَّقِ الله ربَّه، هذا إن كان لا زال
    حيَّاً، أمَا والعلمُ أنَّه مات، فلا أدري ماذا كان له من شأنٍ مع علمه الذي ضاجعه
    في قبره؟! ثمَّ لا أدري ما ينتَظر من نصرَهُ على باطلٍ من بعده؟



    إنَّه لو صُبَّ عليهم وعليه ماءُ
    (الكوثر!!) ما أنقى قلوبَهُم من حِقدها وحَسدِها، ولا جلودَهُم من ذُنوبِها
    وآثامِها!!



    والمُحقِّق الصَّادق الذي يورد قلمَه
    موارد النَّقل الأمين، ويسوقه عقلُه إلى مواطن الحكمة، ويُنشده ظنُّه الحسنُ
    نواشدَ التَّقوى، يأبى عليه علمه أن يواطئَ الدَّهماءَ في حالهم، وأن يزاحمهم على
    شِربهم، لِيّدهقَ كأسه من أعراض المُسلمين -وبخاصَّة صفوةَ علمائهم- قبل أن يدهقوا
    كؤوسَهُم وهو ربَّما يعلم في نفسه -إذ يصنع ذلك- أنَّه يواقع أمراً نُكراً، لا
    يجمُل بعاقلٍ -فضلاً عن عالمٍ- أن يواقِعه ابتغاءَ مرضاة العامَّة، أو مُداهنةً
    لهم، أو مُحاكاةً لهم.



    وهو بصنيعه هذا يُجرِّئُ مُتهوِّكي
    الأحلام، مُفَلَّعي الأقلام، المُبحرين في لجَّة الظلام، على أن يكونوا مثله، لا
    في علمه - فهو وإن كـان عنده علم فقد صار بائراً حاسراً - بل في غَوْل قلبه، وحميم
    صدره، وترييخ أضْلُعِه من عجز، ثمَّ يمضي من أمامهم، إماماً ضالاًّ مُضلاًّ، في
    استكبار وغرور.



    ولسنا نُنْكر أنَّ الذين درسوا
    الفَلسفَة وتعلَّموها، وحَذَقوا المَنطق وأتقنوه، وأحاطوا بعلم الكلام وأحسنوه،
    ليسوا جميعُهم على قدْر واحدٍ في هذه العلوم العقليَّة، فهم متفاوتون، كما أنَّهم
    ليسوا جميعُهم على غاية واحدة، ومَقصِد واحد,



    فابنُ تَيميَّة رحمه الله، يُعدُّ رأساً
    من رؤوس هذه العلوم في تاريخ الإسلام، وكما يقال اليوم: «حطَّم الرَّقم القياسي»،
    سبق فيها من قبله وأعجز من بعده، وأناخَ راحلته -وهو في أرض قومه- أمام أبواب
    أثينا وإسبرطة، فاستحيا القوم فيهما منه، وغدوا في مضيعةٍ أمامه، جمدت لهواتُهم في
    حلوقهم، وأبلست ألسنتهم في أفواههم، وشرَد عنهم ذكاؤهم بعيداً جدَّاً، وبقي شيخ
    الإسلام فرداً في هذه العلوم، لكأنَّما خُلقَت لهُ وحده، فكان ربَّها بلا مُنازع، لا
    شريك له فيها حتى مِن أربابها وسَدَنتِها!!



    غير أنَّ ابن تَيميَّة رحمه الله تعالى،
    كان يصدر في كلِّ ما يكتب من هذه العلوم، عَن مَعرفةٍ بالكتابِ والسُّـنَّةِ
    كبيرةٍ، وإرادةٍ مُؤمنةٍ بصيرةٍ، ونيَّةٍ خالصةٍ وفيرةٍ، يُؤمَنُ معها الشرُّ
    المُستطير، الذي تداعَت إليه عقولٌ في غير أناةٍ ولا استبصار، فقد عُمِّيت عليها
    السُّبل، وما دَرَت أنَّها - وهي يقفو بعضها بعضاً إلى هذه العلوم - إنَّما تبحثُ
    لدى هذا الشر المُستطير عَن مكانٍ تُعفِّي فيه على قدرات إيمانها الفِطريِّ، الذي
    مَنَّ الله به عليها.



    أمَّا ابن تَيميَّة رحمه الله، فقد
    أصابَ من علمهِ الجَمِّ، وإرادته المؤمنة، ونيَّته الخالِصَةِ، سلاحاً، وفَّره
    للدِِّفاع عن ملَّة التَّوحيد، فجاهد به جهاد البُسلاء الأولياء، حتى لقيَ ربَّه
    في أغلال سجنه، وكأنَّما يُكْرَبُ بسكرات الموت، وهو يدعو بدعاء نبيِّه صلى الله
    عليه وسلم: «اللَّهم اغفِر لي، وارحمني وألحقني بالرَّفيق الأعلى»([3]).



    ولا أحسب أنَّ مسلك ابن تَيميَّة رحمه
    الله خافٍ على أحدٍ في الأمَّة، حتى على أشد النَّاس عداوة له، فهو لا يفتأُ يذمُّ
    هذه العلوم، التي أفسدت على العقل المُسلم سلامة تفكيره، وعلى الفطرة المُسلمة
    نقاءَها، ويشتدُّ في الصيِّال عليها، وهي في يده قَد صارَت سلاحاً ماضياً، يغشى به
    جموعَ المبتدعة، والزَّنادقة، والحلوليَّة، وغيرهم من إخْوانِ الشياطين،
    فيبعثِرُهم، ويُبدِّدهم، ويجعلهم فلولاً عِزين!!



    ثمَّ يحذِّر من تَعلُّم هذه العلوم، مَن
    لم تستَحْكِمْ مَلكاتُ العلوم والمعارف في عقله، وصارت أصولُها إلى اجتماع مكينٍ،
    على عقيدة التَّوحيد بفروعها اليانعة.



    * «غَريبـةٌ فــاذَّةٌ شــاذَّةٌ!!»:


    ومن أغرب ما لا يخطر ببال مبتدئٍ من
    طلاب العلم - فضلاً عن شاذٍ فيه، فضلاً عمَّن تصدَّر للنَّاس ليأخُذوا العلم عنه -
    ما قال واحدٌ من الذين تصدَّروا لأخذ العلم عنهم - وقد أشرنا إليه من قبل، وهو من
    الذين اشتدُوا في الطَّعن على السَّـلفيَّة، ورأوا أنَّها مرحلةٌ ولَّتْ
    وانْقَضَتْ -: «يجب التأكُّد من صحَّة النُّصوص الوارِدَة، والمنقولة عَن رسول
    الله صلى الله عليه وسلم - قرآناً كانت هذه النُّصوص أو سنَّة»!



    أرأيت بربِّك كيف تصنع الغفلة بأهلها،
    وإلاَّ فهل يُعقلُ أن تصدر هذه المقولةُ عن أقلِّ النَّاس عِلماً، فيقَسِّم نصوص
    القُران، قسمين: قسماً صحيحاً، وقسماً غير صحيح؟!



    أنا أعلم أنَّ هذا المقولة لم تصدر عَن
    كاتبها المشهور مـن جهل، بل من غفلة آخذة بمجامع القلب، وهـي أشدُّ، وأنكـى، وأسوأ
    مـن الجهل -عياذاً بالله- وأرجو أن تدرك
    قائلَها توبةٌ قبل الغرغرة!! وليعلم أنَّ أعراض علماء السَّلفيَّة ولحومهم -التي
    سلَقها بناعم كلامه، أو انتصر لمن رماها بقاذع لسانه وقلمه- مَسمومةٌ! فكانت
    جَرَّاءَ ذلكَ هذه الزَّلَّة التي أُوتيها من غفلةٍ آخذةٍ بمجامع القلب، والتي هي
    في ظاهرها أقربُ إلى الكفر منها إلى الإيمان، ولا يُعذَر قائلها إلاَّ أن ينخلع
    منها بتوبة نصوح، ولا ينفعه ولوج باب البيان، يلتمسُ فيه مخرجاً لقَوْلَتِهِ
    الغافلة!!



    وإن التَمَسْنا لهذا القائل مخرجاً
    فلعلَّه يكون في دعواه: أنَّه إنَّما أراد بهذا التَّقسيم، التأكُّد من ضبط ألفاظ
    الآيات القُرآنيَّة، شكلاً ومباني، فإن كان أراد بذلك، فهو عندي لا يقلُّ خطيئةً
    عمَّا يكون من غَفلةٍ، فهل نزل الوحيُ يومَ كان ينزل بالقرآن على الرَّسول صلى
    الله عليه وسلم، بحركات الضَّبط الشكلي للقرآن؟! اللَّهم إلاَّ أن يكون عند صاحبنا
    ذاك، أنَّ النَّص القُرآني، يخضع للتَّغير، وبتغير الأشياء التي خلقها الله لمنافع
    العباد، فانظر واعقل!!



    لكن، ينفي -حتى المُراد من مُراد
    صاحبنـا - قوله بعـد ذلك: «إنَّه يجب على الباحث عرضُ حصيلة تلك المعاني (أي معاني
    النُّصوص الصَّحيحة، ومنها نصوصُ القُرآن الصَّحيحة)!! التي وقف عليها، وتأكَّد
    منها، على موازين المنطق والعقل لتمحيصها، ومعرفة العقل منها»!!



    لا أُريد مناقشَة هذه المقولة الآدَّة
    الفادَّة، بيد أنِّي أسأل: ما حكم من يعتقد أنَّ في وسع العقل تمحيص ما (صـحَّ) من
    آيات كتاب الله عزَّ وجلَّ؟!



    وسؤال ثانٍ: هل يتساوى جهدُ مريدِ
    الوقوفِ علىنصوص القرآن الصَّحيحة (هكذا... نعم!)، وجهدُ مريدِ الوقوفِ على نصوص
    السُّـنَّة الصَّحيحة؟!!



    عذراً عذراً، من سوءِ هذين السؤالين،
    لكنَّ حاكيَ الشر لا يكون بحكايَتهِ شرِّيراً!! وناقل الكفر بنقله لا يكون كافراً!



    اللَّهمَّ
    إنَّا نعوذ بك من الحَوْرِ بعد الكَوْرِ، ومن الضَّلال بعد الهُدى، ومن الرَيب بعد
    اليَقين، ونسألك اللَّهمَّ الثَّبات على الحق، وفي الحق، وبالحق، ومع الحق، وصدق
    الله {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ} [سورة يونس: آية 32].



    (ح)
    مِمَّا قالوا
    :
    «كيف نجيز لأنفسنا تقسيم المُسلمين إلى سلفيِّين وبدعيِّين؟» اهـ.



    سأوافق القوم - جَدلاً - في إنكارهم هذا
    التَّقسيم، وأُسلِّم لهم
    -تَنزُّلاً- أنَّ في هذا التَّقسيم نظراً، وأنَّ الحقَّ، (قد) يكون معهم
    فيما أنكروه على السَّلفيَّين.



    وكان إنكارهم يكون مقبولاً -حقَّاً- لو
    أنَّهم أبصروا العُودَ فوق جفونهم، أو في داخلِ عيونهم، لكان الشَّنآن -عُوفيتَ من
    شرِّ الضِّغنِ الآفِكِ- حملهم على إبصار القَذاةِ في عيون الآخرين فقط، فكيف بالله
    يجيزُ كاتبهم أو شيخٌ من شيوخهم تقسيم القرآن إلى صحيحٍ وغير صحيحٍ، ولا يُنكرون
    عليه؟! أمَّا إن قُسِّمَ المُسلمون إلى سلفيِّين وبدعيِّين، فهو تقسيمٌ منكر
    -عندهم- لا يُرتَضى، والوَيلُ والثُّبور لمَن يقول بهذا التقسيم!! فهل في هذا
    إنصافٌ بالله عليك؟!



    ثمَّ ماذا يقول منكرو هذا التَّقسيم في
    قوله صلى الله عليه وسلم: «عليكُم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الرَّاشدين المًهديِّين
    من بعدي، عَضُّوا عليها بالنَّواجذ وإيَّاكم ومُحدثاتِ الأمور، فإنَّ كلَّ مُحدثةٍ
    بِدعـةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالـةٌ»([4])،
    الذي قسَّم بالوحي أمَّته هذين القسمين، وهو مـا يكاد يكون منطوقَ هذا الحديث، وإن
    كنَّا -بالتَّجرُّد المُنْصِف- يكفينا مفهومُهُ؟



    فهل يُعاب بعد، من يرتضي لنفسه منهج
    الكتاب والسُّنَّة، وصدَّق من أُوحي به إليه، تصديقاً دعاه إلى التَّمسُّك
    بحذافيره، ووصفَ نفسه بالسَّـلفيَّة، وقال في وصف من ركب متن البدعة -وأناخها في
    كلِّ أرضٍ وطئتها قدماه، وجعلها شرعةً مرتضاةً لتلاميذه، وأرخى لها الحَبْلَ على
    الغارب، فطارت به مُسرعَةً، فأهاجَهُ إسراعُها، فأخذَ يحدو لها حُداءَ المَشوق إلى
    لُقيا حبيبه - إنَّه بدعيٍّ؟!! ألا إلى الله تصير الأمور.



    وإخالُ أنَّ تقسيم المُسليمن إلى قسمين،
    خيرٌ وأحبُّ إلى الله من تقسيمهم إلى: سُنِّي، وشيعي، وخارجي، وإباضي، وشافعي،
    وحنبلي، ومالكي، وحنفي، وظاهري، وباطني، وزَيدي،... الخ.



    لقد كان حريَّاً بصاحبنا وأصحابه معه، أن يكون لهم -وهم الصَّفُّ الأوَّل
    كما يقال- أن يَدَعوا المذاهب التي ما عُرفت، حتى عن مُنشئيها، المنسوبة إليهم،
    ويَدْعوا أنفسهم والنَّاس معهم إلى الحقِّ الصُّراح، الذي أشرقت به السَّماواتُ
    والأرض، وصلح عليه أمر الدُّنيا والآخرة، وكان الفَوزُ، والعزَّةُ، والتَّمكينُ في
    الأرض للمُسلمين؛ وإلى العودةِ بالأُمَّة إلى سذاجة القرون الثَّلاثة المفضَّلة،
    ويسرِ الإسلام، الذي شقيَت الأُمَّة، حين وَلَّت عنه ظَهرها، وأدبرت عَن الصُّورة
    العمليَّة الرِّائعة، التي رَسَمها سلوكُ الصَّحابة رضوان الله عيلهم جميعاً،
    فنالت بذلك من عذابات الاحتراب والاضطراب، وأظلَّها بسُحُبٍ












    ([1])
    رواه مسلم.







    ([2])
    متفق عليه.







    ([3])
    متفق عليه عن عائشة.







    ([4])
    تقدم.





    avatar
    صلاح محمد حسانين
    المدير العام

    النوع : ذكر
    عدد المشاركات : 6402
    العمر : 54
    تاريخ التسجيل : 28/06/2009
    المهنة :
    البلد :
    الهواية :
    مزاجي النهاردة :

    عام رد: قرأت لك (هى السلفية ))

    مُساهمة من طرف صلاح محمد حسانين في 26/7/2012, 2:28 am

    الاحتراب والاضطراب، وأظلَّها بسُحُبٍ
    دكناءَ، شرَقَت بها حلوقُها، وجمدت منها لَهَواتُها، وأذكرتها بأيَّام الجاهليَّة،
    الملتئمة على جراحات الأكبادِ النَّازفة، المطلولةِ بدماءِ الحنيفيَّة أمام
    جلاميدِ الأنصاب الذَّليلة!!



    * «قصَّـةٌ طريفـةٌ»:


    وأذكُر هنا واقعةً لطيفةً، جديرةً
    بالذِّكر في الحديث عَن هذه المقولة، فيها طرافةٌ وعِبرةٌ:



    دُعيتُ قبل سنواتٍ إلى بلادِ المَغرب،
    -وقاها الله وحرسها من سوءِ ما يُراد بها- لشهودِ الدُّروس الحَسَنيَّة
    الرَّمضانيَّة، التي تُلقى بين يدي ملك المغرب من كلِّ عام في رمضان، ويحضرها عددٌ
    من أهل العلم، يُدعون لها من العديد من بلاد المُسلمين.



    وكان أحد المدعوِّين في هذه السَّنة،
    شيخُ الطُّرق الصُّوفية في مصر، يحلم لقلب «دكتور»، حالقٌ لحيته وشاربيه، يرتدي اللِّباس
    الغربيَّ، وليسَ عليه من سيماءِ الإسلام والعربيَّة، إلاَّ ما تسمعه من كلامه حين
    يتكلَّم، ينطقُ بالشهادتين بعربيَّة عاجزة.



    وكان طُلِبَ منه إلقاءُ درسٍ بين يدي
    الملك!



    فلا والله ما رأيتُ حالاً لبست رجلاً
    أسوأ من تلك الحال التي رأيتها لَبِسَتْه، حتى لكأنَّ الرَّائيَهُ، يحسب مصيبةً
    حلَّت به، فهو لا يُحسن معها إلاَّ التَّسليم، لما قَضى الله فيها بها!!



    أخذته الرُّحضاءُ وامتُقِعَ وجههُ،
    وتلَعثَمَ لسانُه، واصطكَّت أسنانهُ، وانفَرَجت شفتاه فلا تمسكان على جملةٍ
    تامَّةٍ، وعراه اضطرابٌ وفَزَع، وخِلتُهُ أنَّه لا يّدري ما يجري به لسانُه، لكثرة
    ما أخطأ، فلا أراك الله ما أصابه، ولا ابتلاك بما نابَه، ولا آلمَكَ ما هَتَم
    نابَه، ومثلُه في ذلك كلِّه -عافانا
    الله وإيَّاك- كلُّ من ناب منابَه!



    ولا أحسب أحداً من الجلوس، إلاَّ وقد
    أشفق عليه، ورجا أن يؤذَن له في الخلاص من سوءِ الحال التي لبسته.



    وفي اليوم الثَّاني، طُلِبَ إليَّ أن
    أُعقبِّب على درسه في إحدى قاعات وزارة الأوقاف المغربيَّة، وكان ممَّا أذكر من
    كلامي الذي عَقَّبتُ به على درسه:



    كنت أودُّ أن نَسمع أنَّ الأستاذ شيخٌ
    لطريقةٍ واحدةٍ، لا شيخ لطرق كثيرة، وما أكثرها في مصر -وهي وCool (على كل
    حال) تزدادُ يوماً بعد يوم- إذ كيف يكون مقبولاً شرعاً تعدد الطُرق، والله سبحانه
    لم يجعل لعباده المؤمنين إلاَّ طريقاً واحدة، وهي طريق الكتاب والسُّـنَّة، التي
    ترك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه عليها، وأمرهم بالبقاء عليها، ونهاهم
    عَن المخالفة عنها، وهي التي ذكرها الله ووصفها في كتابه، {وَأَنَّ هَـذَا
    صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ
    بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [سورة الأنعام: آية 53]، ولا إخالُ إلاَّ أن الأستاذ على
    ذُكرٍ من هذه الآية من كتاب الله، فكيف يرضى أن يكون شيخاً لطرق كثيرة وطريق الله
    واحدة؟!



    وكان حريَّاً بالأستاذ الشيخ -وهو الآن
    في بلادٍ عامَّةُ أهلِها مالكيُّون- أن ينسى مشيخته هذه، فشيخهم واحد وهو الإمام
    مالك رضي الله عنه، ومن الإحسان إلى من يدعوك ويكرمك، أن تحسن إليه، بما هو أهلٌ
    له، وبِما يُحبُّ.



    وهنا أُذكّر المغاربة بأمرٍ لا يحسن أن
    يكون غائباً عنهم، وهو: أنَّهم قد أجمعوا على إمامة الإمام مالك لهم في الفقه،
    والفقهُ يؤسِّس الإدراكات العلميَّة، التي يقف بها الإنسان على رغائب الهُدى،
    فتنفي عنه الرَّذائل النَّفسيَّة، والانحرافات الفكريَّة، والزُّيوغات العقليَّة،
    ولست بظانٍّ أنَّ أهل التَّصوُّف يودُّون لأنفسهم أكثر من ذلك، إن هم استطاعوا
    إدراكها أو بعضاً منها.



    إذاً؛ فلماذا يَعْدلُ المغاربة
    المالكيُّون عَن إمامهم الذي ينتسبون إليه في الفقه، إلى إمام آخر غيره في
    الطَّريقة والسُّلوك، وهل للفقه ثمرة إلاَّ سلوك الطَّريقة التي سلكها مِنْ قبلهِم
    إمامُهم مهتدياً فيها بالفقه، الذي أفاده وتعلَّمه، ثمَّ علَّمه تلامذتَهُ فنشروه
    في أرجاء الأرض؟!



    وكيف لهم أن يعدلوا عنه إماماً في العلم
    والفقه، وهم يعلمون -أو لا يعلمون- أنَّه رحمه الله كان من أكثر النَّاس إعظاماً،
    واتِّباعاً، وأدباً، وحبَّاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكن لحياته، ونشأته،
    وحرصه على أن يموت في المدينة أثر كبير جدَّاً، فيما منَّ الله به عليه، من أدبٍ
    جمٍّ مع الرَّسول صلى الله عليه وسلم، واتِّباع له وإعظام في نفسه.



    فكان حقَّاً للإمام مالك -رحمه الله-
    عليهم أن يقرءُوا سيرته جيِّداً، ليتعلَّموا منها الكثير الكثير، مِمَّا لم
    يؤْثَرْ عن شيوخ الطَّريق منه شيءٌ، ثمَّ نَسَجَ لهم المريديون والأتباع سِيراً،
    وكراماتٍ، لم يكن منها شيءٌ حتى ولا للأنبياء والرُّسل، والحواريِّين،
    والصَّحابة!!



    فـلا أدري، أضَنُّوا على أنفسهم بالإمام
    مالك، بأن يجمعوا له الإمامتين، وهو حقيق وجدير بهما؟! أم علموا من سيرته بأنَّهُ
    إمامٌ ورأسٌ في الفقه والعلم، وأنَّه لم يبلغ مبلغ من اتَّخذوهم أئمَّة في
    السُّلوك والطَّريقة، فآثروا غيره عليه؟!



    كلاهما سَيِّئ، وما -والله- أحسنوا
    صنعاً، فلو عقلوا الأمر عقلاً حسناً، لعلموا أنَّ الإمام الفقيه، هو الأجدرُ
    والأحقُّ أن يكون العارفَ بالله، كما يُسَمَّوْنَ، فالفقيهُ العالمُ، يفوق في
    الفضل أسبقَ النَّاس في العبادة، لأنَّ الفقه جُنَّةٌ يَدَّرِيءُ بها الفقيهُ
    سهامَ الشيطان، ولأنَّه أيضاً، يمحو الله بعلمه رانَ الجهل والضَّلال عن القلوب
    والعقول.



    ومالكٌ رحمه الله لا ينكر من شهد له
    بالفقه والعلم والإمامة فيهما، سبوغَ فضل الله عليه، في السُّلوك، والأدب،
    والرَّقائق، والحرص الشديد على العبادات -فرائضها، ونوافلها- مَمَّا فتح الله به
    عليه في العلم والفقه، حتى تناهت إليه جماعاتُ العلماءِ، وطُلابُ العلم يَفِدونَ
    إليه -في مدينة الرَّسول صلى الله عليه وسلم- من كلِّ الآفاق وأطراف الأرض.



    هذا إن كان لا بدَّ من اتِّخاذ شيخ في
    الطَّريقة، أمَّـا وإنَّ التَّفريق بين العلم والفقه، وبين السُّلوك والطَّريق، من
    المبتدعات فخيرٌ لأهل المغرب، وغير أهل المغرب، أن لا يزيديوا على شيخ يجمع بين
    الفقه وبين السُّلوك، لتكون به القدوةُ الواصِلَتُهُم برسول الله صلى الله عليه
    وسلم.



    والشيخ، حين يجمع بين العلم وبين
    السُّلوك -أو قُلْ: بين الفقه وبين الطَّريقة- يكون قد بلغ الذِّروة، وأماط
    اللِّثام عَن مكنون الزَّمان، لا بيده، بل بحاله الناطقة بآيات العمل الصَّالح،
    المُنبِئَة عن تقوى الله في كل ما يفعل ويدع.



    فأيَّةُ عقول تلك، التي رضيت أن
    تتفَرَّق أوَّلاً على شيوخ الأذواق والطُّرق، تفرُّقاً غير حميد، فتكون أزمَّتُها
    في أيدٍ مملوءَةٍ ذنوباً وجهلاً، وهي شامسةٌ عن العلم الذي ملأ بقاع الأرض، وأحيا
    فيها عقولاً وقلوباً، من كل الأجناس والألوان، حتى تتامَّت لها النِّعمة، التي قال
    الله فيها: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ
    نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} [سورة المائدة: آية 3].



    ولست أدري -والله- كيف يرضى إنسانٌ
    يقلِّدُ مالكاً رحمه الله تعالى في الفقه، ثمَّ هو يرضى أن يتَّخذَ شيخاً آخر في
    السُّلوك والطَّريـق، ربَّما كان أجهل الخلق في العلم، ومن أسوئهم في السُّلوك
    الباطن، كما يقولون؟



    فالعلمُ هو الوثاقُ المتينُ للعقل
    والجوارح معاً، يوثق العقل بالحكمة الرَّاشدة، ويوثق الجوارح بالعمل الصَّالح، وما
    بين العقل وبين الجوارح، كما بين الماء وبين التُّراب، فإذا أصَاب الماءُ تُرابَ
    الأرض، أخصبت، وأينعت، وأنبتّت زَرْعها و شَجَرها.



    والغاية من العلم، الوقوفُ على أمْرِ
    الله فيما أمَرَ، ليَعلَم، الواقفُ عليه كيف يكون عمله موافقاً لمُرادِ الله بـه
    في ظاهره، فإنْ رجا لقاءَ ربِّـه، أخلصً فيه النِّيَّة له، فيجتمع له في عمله
    الإخلاصُ والموافقة، وهما شرطا قبول العمل، الذي يُرجى به ثوابُ الله سبحانه في
    الآخرة، فمن الذي يُحتاجُ إليه حينئذٍ، أمالكٌ رحمه الله - ينبوع العلم الثَّرُّ
    الذي لا ينضب على الأيَّام -أم غيره من شيوخ الطُّرق، الذين لا يحسنون عبادتهم على
    الوجه الذي يعرفه مالكٌ رحمه الله، علَّمه بعد أن حذَقَه، وأبصَرَ به، وعلَّمه
    وبَصَّرَ بـه؟!



    ثمَّ إنَّ اتخاذ شيخين وإمامَين، واحدٍ
    للطَّريقة والسُّلوك، والآخر للعلم والفقه، يُحدِثُ -ولا بدَّ- تناقضاً في ذات
    المريد التَّابع، ويوجد في نفسه ازدواجيَّةً، تفصِمُ بين العقل وبين القلب فَصْماً
    شديداً، إذْ الطريقةُ يُرادُ بها صلاح النَّفس والرُّوح، والعلم يُرادُ به صلاحُ
    العقل والجوارح، كما يقولون، فأين هو الحدُّ الذي يفصل بين العقل وبين الجوارح،
    حتى نجعل لكلٍّ منهما متعلَّقاً خاصّاً به، لا يصلح إلاَّ له وحده؟ في حين أنَّنا
    نجد الرَّسول صلى الله عليه وسلم، الذي ائتلف فيه العقل والرُّوح ائتلافاً، كان به
    القدوةُ الفَذَّة في حياة البشريَّة كلِّها، لم يفرِّق بين العلم وبين السُّلوك في
    مواطأتهما القلبَ والجوارحَ، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم:



    «إنَّ الله لا يَنظُر إلى صوركُم
    وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبِكم وأعمالِكُم»([1])،
    ذلك أنَّ القلب في الحقيقة، جارحةٌ باطنةٌ، تعمل كسائر الجوارح الظَّاهرة، بيد
    أنَّ أعمال الجوارحِ الظاهرةِ ظاهرةٌ مثلُها، وأعمال القلب - الجارحةِ الباطنة-
    خَفيَّة، لا تُدْرك إلاَّ بآثارها النَّاجمة عنها، وصلاحُ الجارحة الخفيَّة،
    يؤثِّر ولا شك في صلاح الجوارح الظَّاهرة، «ألا وإنَّ في الجسد مُضغة إذا صَلُحت
    صلحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فَسَدَت فَسَد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب»([2]).



    ويُروى عَن عمر بن عبدالعزيز رضي الله
    عنه قوله: «أصلحوا بواطنكُم، تَصلُحْ ظواهركم».



    ثمَّ أليسَ لنا -أمَّةَ محمَّد- فيه
    أُسوةٌ حسنةٌ؟ أليس هو الذي قال الله فيه: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله
    أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله
    كَثِيراً} [سورة الأحزاب: آية 21].



    إنَّه بمنطق أُولئك المفرِّقين بين
    الفقه وبين السُّلوك، كان ينبغي أن يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولٌ
    آخرُ، مُحمَّدٌ صلى الله عليه وسلم لإصلاح الجوارح والعقل بالعلم، والآخرُ لإصلاح
    الرُّوح والقلب بالسُّلوك.



    ورُبَّما انتهى بأولئك القولُ أيضاً إلى
    مقولةٍ فاسدةٍ، كافرةٍ، يقولون فيها: إنَّ لكلِّ ضِدَّين إلهَين، يجمعهما جميعاً
    إله الخير وإله الشَّر، ولعلَّه لا يخفى عيلنا، أنَّ هذه المقولة قد قيل ما هو
    أفسد وشرٌّ منها -وإن كان القَدْرُ الجامع بينهما الكفرَ عياذاً بالله تعالى-
    سبحانه وتعالى عمَّا يقولون علوَّاُ كبيراً - بهاتين العقيدتين.



    إنَّ التَّفرُّق في الطُّرق، والصَّفق
    فيها، بعقائد ما عرفها المُسلون إلاَّ من بعد ما صارَت في أيديهم مقاليد البلاد
    بالفتح، فنالوا وأنالوا، بيد أنَّهم أتى عليهم وقتٌ ألانوا فيه مناكبَهم، فركبتهم
    أمشاجُ ثقافاتٍ مدهوقةٍ بشرورِ العقول التي أودعتها كتباً ورسائل، ما كانت يوماً
    لتكون، إلاَّ عِدْلاً للوحي المنزَّل على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.



    ولو أنَّ المُسلمين بعدما جاءتهم هذه
    الثَّقافات، صنعوا ما صنع بها شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله، فردُّوها إلى
    كتاب الله وسنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، لسخَّروها في نقض نفسها بنفسها كما
    صنع رحمه الله، لكنَّ الكثيرين منهم بُهرِوا بها، وحسبوها تأتي بخير لهم إذ
    علموها، فكانت بهذا بلاءً مستطيراً، وإثماً خَطيراً، أرضخَتهُم للعقول التي
    اخترَعَتْها، ودوَّنتها، فأذاقتْهم من وبالها المُرِّ، ووبْلها الهرِّ، ما كان
    المُسلمون أغنى الناس عنه، بدينهم السَّهل الميسًّر، وعقيدتهم الصَّافية
    الصَّريحة، التي حفظها القُرآن في آياته المسطَّرة.



    فمسكينٌ هذا الشيخُ الذي أُسندت إليه
    رئاسة الطُّرق، ومَشيَخَتُها، ببنطاله الواصِف، ورباط عنقه الخانق، ووجهه الأملس
    النَّاعم، وشاربيه المحلوقين، وطاقيَّته الغربيَّة، وشارته التلفيقيَّة، لعلَّه
    يرحمه الله لا زال يجهل تأويلَ قول الله سبحانه: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي
    رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [سورة الأحزاب: آية 21]، فهو يحتالُ على ظاهره
    هذا، بما يظنُّه صلاح باطنه!!



    وإذا كان هذا هو حالَ شيخ شيوخ الطُّرق،
    فكيف بأولئك الشيوخ الذين ارتَضوه شيخاً لهم، ونَصَّبوه إماماً عليهم؟! بل كيفَ
    بأولئكَ الرِّعاعَ التَّابعين؟! لا أحسبهم -جميعاً- إلاَّ كما قال ذلك القائل:
    «كما تكونوا يولَّى عليكم»([3])
    .



    وبعد:


    فإنَّ تَقسيم الأُمة إلى سلفيِّين
    وبدعيِّين، ليس إلاَّ تعبيراً آخر، للتَّقسيم الذي استقرَّ في الأُمَّة منذ قرون
    وهو: السَّلف والخلف، حتى صار مألوفاً للأسماع، أن يقال: «مذهبُ الخلف أحكم ومذهبُ
    السَّلف أسلم» أي: في العقيدة، وليس في هذا القول من شيءٍ يُساغ في العلم، إلاَّ
    جرْسُ السَّجعة، أمَّا فَحواه ومعناه، فأمرٌ يَنِدُّ بالعقل بعيـداً، ليبحث عَن
    قيد علميٍّ، يضعفه في يدِ هذا القول فلا يجده.



    إذاً، فهذا التَّقسيم ليس من صنع
    السَّلفيَّة، ولا من وضع السَّـلفيِّين، وليت واحداً ممَّن ينعُونَ على
    السَّلفيَّة والسَّلفيِّين، يجد أصلاً لهذا التَّقسيم (سلف وخلف)، فنقول لهم: إنَّ
    التَّقسيم إلى سلفيِّين وبدعيِّين، ليس مصطلحاً علميَّاً، ولن يصير كذلك، لكنَّه
    اصطلاحٌ واقعيٌّ، أملاه الواقع المشهود في الأُمَّة، وبخاصَّةٍ حين تطايرت سهامُ
    طوائف العادين، من المغرب والمشرق، تُصوِّبها أقواسٌ، صُنعت من أعوادِ أشجارِ
    غاباتٍ ليست في أرضنا، ودُرِّبت على تَفويقها في تلك الأقواس، أيدٍ راعشةٌ من حسدٍ
    ومكرٍ معاً، في القديم والحديث.



    ثمَّ إنَّ هذا التَّقسيم الذي أملاه
    الواقعُ المشهودُ، هو تحقيقُ لنبوءَة المُصطفى صلى الله عليه وسلم، مِمَّا هو
    كائنٌ في مُستقبل هذه الأمَّة، بما أوحى إليه ربُّه سبحانه، كما أسلفنا من قبل،
    ولتبقى طائفةٌ من هذه الأُمَّة قائمةً بأمر الله، وعلى الحق الذي ارتضاه ربُّ
    العباد للعباد.



    ولسنا نَنعم بطيب الحديث، حين نستخرجُ
    مكنون كنانتنا -مِمَّا يُؤيِّده الوحيُ المبينُ -لنقول للنَّاس حُسناً ونحن نردُّ
    تلك الفِرى الباهتة، التي طالما ردَّدَتها ألسنةٌ وأقلامٌ، وهي تحسب
    -بِتَرْدادِها- أنَّها إنَّما تُحسن صُنعاً، وحاشا للحَسَن أن يصير قَبيحاً!!



    فلا والله ما يحملنا على الرَّدِّ،
    إلاَّ أن يُبيَّن الحقُّ للنَّاس، وأن تُصانَ ألسنتُهم وأقلامُهم، مِمَّا
    يؤثِّمهم، ويحمِّلهم ذنوباً وآثاماً يُخشى أن يلقوا ربَّهم بها قبل توبتهم،
    والنُّصح لكلِّ مُسلمٍ حقٌّ على كلِّ مُسلمٍ.



    ولسنا نريد للطاَّعنين على السَّلفيَّة
    في هذا الزَّمان، أن يُوغلوا ببغيهم عليها إلى أبعدَ مِمَّا وصلوا إليه، فيكفيهم
    ذلك، والموت آتيهم، ونازلٌ في رحابهم، ولا يردُّه عنهم ظنُّهم الحَسَنُ بأنفسهم،
    وأنَّه لطالما أشفت أضغاثُ الأحقاد بأهلها -في قرونٍ غابرةٍ- على أغوارٍ سحيقة،
    ألقت فيها بسوادها المائد بالهوى، المشحون بالغَوى، الفائز بالجَوى، فما استطاعت
    لأنفسها نصراً، وما كان أهلُّها منتصرين، ولا لمن كان يحملها من رغبةٍ في أذىً، أو
    طمعٍ في نفعٍ.



    وإني مع الأيَّام، لا أرى في
    السَّلفيِّين إلاَّ ضَرَّة جميلة حسناءَ، تقف مائسةً بحُسنها وجمالها -لا تردُّ
    عنها يَدَ لامسٍ، مُريدٍ لنفسه عفَّة فكرٍ، ونزاهةَ حُكمٍ، وسلامةَ عقيدةٍ، وصحَّة
    علمٍ، ونُصوعَ حُجَّةٍ، ودقَّة فقهٍ، واستحكامَ منطقٍ- أمام ضرائر كُثْرٍ، ما
    وَجَدْن شيئاً يَعِبنَهُ فيها، إلاَّ ما قال ذلك الشاعر:



    كضرائرِ
    الحسناءِ قُلْنَ لوجهِها
    حَســداً وتيهــاً إنَّـــهُ لَدَمـيـمُ


    ونحن لا نريدُ أن نلوي عُنُق الحقيقة
    ليَّاً، فنَستَنطِقَها - قسراً- أمراً ليس في جوهر السَّلفيَّة، ولا في ظاهر
    سلوكها، نُطاول به الزَّمان، ونباهي به الدُّنيا، ونهزُّ به أرْيَحِيَّات الغيارى،
    ونستجلبُ به أطماع الجياع المهلوعين، فالسَّلفيَّة غنيَّةٌ بذاتها، نقيَّةٌ في
    جوهرها، غرَّاءُ زهراءُ بأُصولها وفروعها، ولقد أمْلَتْ على الدُّنيا بأسرها هذه
    الحقيقة مذ كانت، وستظلُّ ماثلةً في آفاقها الفسيحة الرَّحيبة، تنهَلُّ بشذاها
    النَّديِّ، وتنسكبُ برَوحها العَبقِ، وتتألَّق بسناها الوضيء، إلى أن يقوم المنهجُ
    الحقُّ وأهلُه لربِّ العالمين، راغبين في رحمته، خائفين من عذابِهِ، راجين أن تكون
    السَّلفيَّةُ الحقيقيَّةُ شاهدةً وشافعةً عنده لهم.



    أما أُولئك الذين شقيت نفوسُهم
    بالنُّفرة منها، أو مُلئت صدورُهم بعداوتها، أو زُحزحت عقولهم عن فقهها ونورها، أو
    استمالتهم أهواؤهم إلى غير السَّبيل الواصِلَتِهم بها، أو أدبرت بهم بالاستحياء أو
    العجز أو التردُّد عنها، أو أجلبوا سرَّاً وعلانيةً بعداوتها، أو تمارَوا في
    الحِقَب التي حفظتها، أو خذلوا أولياءَها وأهلها، وهم على بيِّنةٍ ويقينٍ أنَّهم
    واقفون على حُدودِ الله، ومعالم الحقِّ بها، أو ارتدُّوا على أدبارهم عنها حين
    اشرأبَّت بهم أطماعُهم إلى مغانم عاجلةٍ.



    أقول: أمَّا أولئك جميعاً، فقد لَبِسوا
    قُمُصاً من قَطِران، سابغةً أو غيرَ سابغةٍ؛ كلٌّ حسب ما أسلف لنفسه، وقدَّم أمامه
    من نُفرتهِ وعداوته، وغشيتهم غواشي الظُّلم -والظُّلم ظُلُماتٌ يوم القيامة-
    وركنوا إلى همٍّ طويلٍ، لائلٍ، ثاغبٍ بالآثام، والخطايا، والهُون.



    فلماذا يُنكر أولئك المُنكرون أنَّ
    تقسيمَ الأُمَّة قسمين اثنين -سلفيِّين وبدعيِّين- وقد قسَّموها من قبل هم إلى
    سلفٍ وخلفٍ، ولا يُنكرون أن تُقسَّم الأمَّة إلى فِرَق وشيع وطرق؟ وربُّنا سبحانه
    يقول: {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ
    السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [سورة الأنعام:: آية 53].



    اللَّهمَّ فاشهَد بأنَّا قد رضينا
    بكتابك حكماً عدلاً، وببلاغِ نبيِّك فَصلاً حقَّاً، وبالإقامَةِ على منهج الحقِّ
    عملاً صالحاً.



    (ط) مِمَّـا قالوا: «إنَّ السَّلفيِّين يُدنَدِنونَ دائماً
    حول خبر الآحاد، ويرفعونه إلى مرتبة الخبر المتواتر في إثبات مسائل العقيدة» اهـ.



    حسبُنا الله ونِعم الوكيل!! لكأنمَّا اجترح
    السَّلفيُّون خطيئةً نكراءَ، وهم يقولون ذلك!



    ولست أُريد الوقوفَ طويلاً عند هذه
    المقولة المُحْدَثةِ، التي ما عرفها سلفُ هذه الأمَّة، ولا خَلَفُها أيضاً، إلاَّ
    من بعد أن عُقِرت ناقة الإسلام في مربضها، وتعاورتها ذئابُ الشرك والبدع من كلِّ
    جانب، وتناوشتها سهامُ الحوادثِ المَسْمومةُ من كلِّ صَوب، وهي صابرةٌ محتسبَةٌ،
    ناظرةٌ رحمةَ ربِّها، في غير ما قُنوطٍ ولا فزعٍ.



    وكانت هذه المقولةُ واحدةً من مقولات،
    استطالت بشِرَّتها، ثمَّ ما لبثت أن امتدَّت فروعها، واسَّاقط ثمرُها المُرُّ،
    وكأنَّما لم يكن بدٌّ من أن يذوقه أهلُ كلِّ قُطرٍ وصل إليهم فرعٌ منها، حتى كاد
    ينسى معه طعم الثَّمر الشهيِّ الحلو، مِن جَنى شجرة الإسلام الباسقة.



    ويكفي أن نعلم أنَّ التَّفريق بين
    العقيدة وبين الأحكام في الأدلَّة، أمرٌ لم يعرفه أهلُ الصَّدر الأوَّل، وكلُّ أمر
    لم يعرفه أولئك فجزاؤهُ أن يُطْمَس ويُغَوَّر، وكلُّ أمرٍ عرفه أولئك يجب أن يُعلن
    ويُظهر، ولو أنَّ القائلين هذه المقولة أفنوا أعمارهم في البحث عن أصلٍ لها،
    يَصلُحُ للتَّعويل عليه لَفاتَهم، وما أفادوا إلاَّ جهداً ضائعاً.



    ولا أشُكُّ في أنَّها مقولةٌ خبيثةٌ،
    جرت بها لهواتُ رهطٍ لم يجدوا لِمكْرِهم منفذاً يُقبل في الأمَّة، يَسوءُون به وجه
    الإسلام -زعموا- إلاَّ مثل هذه المقولة، فهم يعلمون أنَّ جُلَّ أحاديث العقيدة
    أحاديث آحاد، كما يعلمون أنَّ المتواتر منها قليلٌ جداً، وآيات القُرآن -وإن أتَت
    على أصول العقيدة- فإنَّه يبقى فروعُ هذه الأصول، التي لا بدَّ وأن تُعرف من
    أدلّةٍ تفصيليَّةٍ، وهي لا تُستوفى إلاَّ من أحاديثَ آحادٍ، فإن وقفنا عند
    المتواتر، فإنَّ هذه الفروعَ أو جُلَّها، يكادُ لا يقترب من دليل يُثبتها أو يقتر
    هو منه دليل، ومعنى هذا أنَّ جمهرةً كبيرةً من السُّـنَّة، تُرَدُّ بدعوى عدم
    قبولها في العقائد.



    ولكن أسألُ: كيف يكون الحُكم على هذه
    الأحاديث الآحاد، أو على بعضٍ منها، إن كانت مشتركة، تصلح أدلَّةً على العقائد
    والأحكام معاً، أو إن كانت لا تصلح إلاَّ أدلَّةً للعقائد وحدها؟!



    فإن كانت لا تصلح أدلَّةً إلاَّ على
    العقائد وحدَها، فهي مردودةٌ جُملةً وتفصيلاً، لأنَّها لا تصلح للاستدلال بها على
    العقائد.



    إذاً: فهي وإن كانت صحيحةً أو حسنةً
    باعتبار أسانيدها، لكنَّها من حيث العملُ والاستدلالُ بها معطَّلةٌ، فالحكم الذي
    يَصْدُق عليها يمكن أن يكون البطلانَ، فهي بهذا الاعتبار ليست داخلةً تحت قسم
    الثَّابت من الحديث، بل ولا تحت الضَّعيف منها، بل هي أقربُ إلى أن يحكم عليها
    بالوضع، إذ لا يفاد من روايتها ولا من درايتها، ما دام أنَّ العمل بها موقوفٌ غير
    جائز.



    وعلى ذلك نسأل: ما حكمُ من يَظُنُّ في
    هذه الأحاديثِ الصَّحيحةِ أو الحسنة هذا الظَّنَّ، وهو لازمٌ لا ينفكُّ عنها وبخاصةٍ
    إن كانت هذه الأحاديث مما اتفق عليها الشيخان البخاري ومسلم؟!



    أمَّا إن كانت تصلح للاستدلال بها على
    العقائد والأحكام، فحينئذٍ تُشطر شطرين، يؤخذُ شطرُ الأحكام للاستدلال به، ويُترك
    الشطرُ الآخرُ، لعدم صلاحه للاستدلال، وهذا أيضاً لا يخلو من شيء مِمَّا أُسيءَ به
    إلى الأحاديث الآحاد، التي لم يذكر فيها إلاَّ مسائل العقيدة.



    ونحن إذ نقول هذا، لا نقوله مَيْناً
    وتخرُّصاً، فالحقُّ -ولا بدَّ- يقضي بأن يُحكم على هذه الأحاديث بمثل الذي حكمنا،
    لكنَّنا نَدعو إخوانَنا القائلين هذه المقولةَ المُحدثةَ الآفكةَ إلى ودْعها،
    والخروج من إثم اعتقادها، ذلك أنَّ هذه المقولةَ في حدٍّ ذاتها مسألةٌ مِن مسائل
    العقيدة، وإثباتها على زعم القوم محتاجٌ إلى نصٍّ قُرآنيٍّ، أو حديثٍ متواتر،
    فهل يقولُ قائلٌ هذه المقولة؟ إن كان
    يقوله فليأت بدليلٍ على ما يقول!! ودون ذلك خَرْطُ القتادِ!!



    ثمَّ لنَنظر جميعاً معاً، أين كان أصحاب
    مُحمَّد صلى الله عليه وسلم، وهم يحملون رسائلَه، وكلماتِه، إلى القبائل وأهل
    الأديان، فرادى وجماعاتٍ، لم يكونوا يفرِّقون بين ما يحمله الواحد منهم من عقيدةٍ
    وأحكامٍ، وبين ما تحمله من ذلك الجماعة منهم، وهلاَّ كانوا سألوا رسول الله صلى
    الله عليه وسلم لو أنَّهم علموا شيئاً من هذا الذي علمه هؤلاء المتأخِّرون!! وهل
    كان هذا يغيب عَن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يُحمِّل الواحد منهم ما أوحى
    الله إليه من كلماته في العَقيدة، أنَّ العقيدة لا يكفي فيها الواحدُ من أصحابه؟
    إلاَّ أن يكون هؤلاء القائلون، اجتهدوا في أمرٍ خَفِيَ عن الصَّحابة رضوان الله
    عليهم علمُه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان لا بدَّ من الاجتهاد فيه، وهذا
    أمرٌ شائنٌ.



    ويجدُر بنا أن نُذكِّر القـائلين هذه
    القَولةَ الآفكةَ، بأن الرَّسول صلى الله عليه وسلم، النَّاقلَ الوحيَ عَن ربِّه،
    المُبلِّغ رسالتَه، ما كان ليَخفى عليه أنَّ بيان مثل هذا الحُكم -لو كان على مثل
    هذه القولة الآفكة- واجبٌ عليه، وبخاصَّةٍ وأنَّها أصلٌ كبيرٌ، وقاعدةٌ كليَّةٌ،
    فلو أخفاها لم يكن مُبلِّغاً وحيَ ربِّه، ولو أقرَّها لكان مؤخِّراً بياناً لحكم
    عَن وقت الحاجة إليه، ولو مات وهو مؤخِّرُه لكان كاتماً وحياً من الوحي، وحاشاه
    عليه السَّلام هذا!!



    إنَّه لحَريٌّ بالقائلين هذه المقولة أن
    يَتوبوا منها تَوبةً نَصوحاً، وأن يًنأوا بأنفسهم عنها قبلَ أن يأتيهم المَوتُ وهم
    عليها، فإنَّها -والله- مقولةٌ ليسَ فيها إلاَّ الضَّلالُ المبين.



    ثم أني لفي عجبٍ لا ينقطع من هذا
    التقسيم الذي استقر على مرِّ القرون، ولم يعرف واحد من أهل العلم أنكره، أو قال
    فيه قولاً غير ذي عوج، إذ يقول لو قال: إنَّ هذا التفريق بين ما هو متواتر وبين ما
    هو آحاد تفريق يقضي ولا بدَّ على السُّـنَّة بالتبدُّد والردِّ والتَّجرؤ على
    نصوصها، والتناقض في الحكم عليها.



    ولعلَّ الله سبحانه ييسِّر لي قريباً أن
    أجمع تفرق من كلام في هذه المسألة، قلته في مجالس متباعدة، ولست أدَّعي أنني لم
    أسبق إليه، بل أقول وبثقة: إنه كلام حقيقٌ أن يظهر وأن يعرفه طلاب العلم، وبخاصة
    وقد آض العلم إلى أُغيلمةٍ، أدبرت عنهم التقوى كما ولَّى عنهم أدبُ العلم، وحسنُ
    الخلق.



    (ي) ومِمَّـا قالوا: «إنَّ الابتداع في الدِّين مذمومٌ وشرٌّ
    كلُّه، وليس يصحُّ شرعاً تقسيمُ البدعة إلى بدعةٍ حسنةٍ وبدعةٍ سيّئةٍ، هذا ما
    يدَّعيه السَّلفيون في حين نجد الرَّسول صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن سنَّ في
    الإسلام سنَّة حسنةً فله أجرُها وأجرُ من عملَ بها إلى يوم القيامة لا ينقص من
    أجورهم شيءٌ، ومَن سنَّ في الإسلام سنَّة سيِّئة فعليه وزرها ووزر من عملَ بها إلى
    يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيءٌ»(
    [4]) اهـ.













    ([1])
    رواه مسلم.







    ([2])
    متفق عليه.







    ([3])
    وهذه المقولة كما أنها خطأٌ في نسبتها إلى الرسول × فهي خطأٌ في لغتها وإعرابها،
    ومن نسبها إلى الرسول × فقد أخطأ وأساء، انظر «الضعيفة» (320).







    ([4])
    لقد نبتت في طوائفَ من السَّلفيين نابتة حاطبةٌ، فاضخة، واريةٌ، وهي من أسوأِ
    الشَّرِّ، وأشرِّ السُّوء، ولم تعرف حتى في أُصلاءِ أهلها من غبر منهم، ومن حضر أو
    احتضر «وهي نابتة الوضع» التي شغف بها بعضهم، إذ صاروا ينسبون إلى بعض أشياخهم
    الموتى أقوالاً ينصرون بها فسادَ أقوالهم التي يشيعونها، في أتباعهم فمن يسمونهم
    بطلاَّب العلم، والعلم منهم براءُ، ولو كان منهم وفاءٌ لأشياخهم لما نسبوا إليهم
    مثل هذه الأقوال، وبخاصَّةٍ منها تلك التي يحقِّرون بها كبار الدُّعـاة =





    avatar
    صلاح محمد حسانين
    المدير العام

    النوع : ذكر
    عدد المشاركات : 6402
    العمر : 54
    تاريخ التسجيل : 28/06/2009
    المهنة :
    البلد :
    الهواية :
    مزاجي النهاردة :

    عام رد: قرأت لك (هى السلفية ))

    مُساهمة من طرف صلاح محمد حسانين في 26/7/2012, 2:30 am

    لسنا نحـبُّ أن نخوضَ مع الخائضين، ولا
    أن نسوق بين أيدينـا أحاديث يبرأُ منها حتى الذين افتروها، لنردَّ عليها، أو لنثبت
    عكس ما فيها، شاغبين بغير حقٍّ يُراد، ولا دليلٍ يُرتجـى، بل سنفرد للقرَّاء بحثاً
    علميَّاً هادئاً، مستقلاً برأسه، إذْ رأينا أنَّ الجواب عن هذه القالة -لشيوعها-
    لا يغني إلاَّ أن يأتي فيه على جوانبها بالإبانة المطوّلَّة، والتَّفصيل الواضح،
    يستغني به القارىءُ عن العديد من الكتـب والرَّسائل، فيكون له فيه الجواب الكافي،
    والبيانُ الشافي، والحق الوافي إن شاء الله، والحقُّ أحقُّ أن يُتَّبع، والله يهدي
    من يشاء إلى صراطٍ مُستقيم.



    فليُنظَر المبحثُ الثَّامن من مباحث هذا
    الكتاب، الذي أرجو أن يكون على نحو ما وصفت إن شاء الله.



    وقد أطلْتُ القول فيه في كتابي:
    «المجتمع الرباني» فلينظر في مُطَّلَبه.



    (ك) ومِمَّـا قالوا: «يخطىءُ الظنَّ، أو يخطئه الظنُّ من
    يزعم، أو يعتقد أنَّ السَّلفيِّين يدَّعون أنَّهم أعلى كعباً في فهمهم لنصوص
    الوحي، كتاباً وسنَّةً وأنَّهم أولاهم بهما، وأنَّهم بفهمهم وولائهم، يصيبون فقط
    ولا يخطئون، أو



    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ


    = والعلماء، وينالون فيها من الذين حاموا عنهم،
    وأحاطوهم بالرعاية والحب والوفاء في حياتهم ومن بعد موتهم، وكأنما يريدون أن لا
    يكون لسواهم مكانٌ -حتى بعد موت أولئك الأشياخ- كما كان خشيةً من أن ينازعوا مجداً
    نالوه بزلفاهم الزائفة لديهم، وكم ذاق على أيديهم ذلك الإنسان الذي يصدق فيه لو
    كان يصدق القول (الحر العبد) رضي الله عنه بحقٍّ، ببذله الذي لم يعرف له نظير في
    دنيا السَّلفيين الأخيار رضي الله عنهم!!! وطلع بأيديهم!! فكان أول ضحية في يوم
    عيدهم الأكبر!! ألا ساءَ ما يزرون.



    أنَّ الصَّواب هو الغالب، والخطأ في فهمهم
    نصوصَ الوحي قليلٌ لا يذكر إلى جانب الصَّواب» اهـ.



    فهذه دعاوى لا سند لها من واقع يهدي
    إليها، ولا من مراءٍ انقُطِعَ بحقٍّ عَن باطلِ قوم، أزَّهم باطلُهم إليه
    ليُغالبوهُ، أو أنَّهم ألجموا ألسنتهم به، فما كان لهم من سبيلٍ إلى حقٍّ، ولا إلى
    شِبههٍ فيه، ولا من قَول واحدٍ من السَّلفيِّين الذين نشروا أعلام السَّلفيَّة
    وبنودَها في الخافِقَين، ولا من وِجادَةٍ أصابها باحثٌ منَقِّبُ في رفوف المكتبات
    وخزائنها، أو عَثَرَ عليها عالمٌ خَرِّيتٌ عَهِدَ بها إلى ما ورءَاه، ليكونوا
    حفَظَةً أُمناء لها من بعده.



    ولو أنَّ الذين أجالوا أقلامهم في
    الصَّحائف، وعقولَهم في النُّصوص، فمالوا بهذه أو بتلك، بما ألْـفَوا عليه قوماً
    مِمَّـن قبلهم -إلى باطلٍ ظنُّوه حقاً، أو إلى خطأ حسبوه صواباً- أنحَوا على
    الأقلّ باللاَّئمَة على أنفسهم بما صنعوا، إن بدا أنَّهم لم يًصيبوا، أو ظهر لهم
    أنَّهم قد أخطـأوا، لكان خَيراً لهم وأقومُ، وأنجى لهم من مذمَّةِ النَّاس في
    الدُّنيا، وعقوبة ِالله في الآخرة.



    لكنَّهم -عفا الله عنَّا وعنهم- مضوا
    بميراث -حملوه جيلاً بعد جيل وقرناً بعد قرن- يتلونه من غير بصر، ويقرءُونه في غير
    استبصارٍ ولا إنصافٍ، قد يحسنون ما يقرءُون من حروفٍ وألفاظٍ، لكن كثيراً من
    معانيها يغيب عنهم، فإذا هم على نَأي من الحقِّ، لا يُرتجى لهم من قـرب إليه
    يوماً، إلاَّ بتوبةٍ علميةٍ بارَّةٍ، يُقلعون بها عَن سِفادَةِ بُغاثِ الطَّير،
    وإقلابِ الأطفالِ حروفَ الهجاءِ، ويرون في توبتهم -رؤية بصيرةً جاهرةً- معنى قوله
    تعالى: {إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} [سورة يونس: آية 36]،
    ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «إيَّاكُم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكذبُ
    الحديث»([1])
    وإلاَّ، فإنَّهم مطلوبون إلى الباهلة، على معنى قوله تعالى: {قُلْ يَـأَهْلَ
    الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ
    أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن
    سَوَاءِ السَّبِيلِ} [سورة المائدة: آية 77].



    لكنْ: مِمَّا يُعزِّي النَّفس، أنَّ
    للسَّلَفيِّين في طلائع مُنْشِئي السَّلفيَّة وبُناتِها الأوَّليـن، الذَّابِّين
    عن حياضها -كأبي بكر، وعُمر، وعثمان، وخالد، وعَمرو، ومُعاوية، وابي ذرٍّ- أُسوةً
    حسنةً، فما كان لهؤلاء أن يُصيبَهم ما أصابهم من أذى، ثمَّ ننجو نحن من بعدهم، فأهل
    الحقِّ دائماً على ذلك، ليس لهم من دون هذا الطَّعن، والتَّجريح والتَّبكيت
    كاشفةٌ، إلاَّ أن يكون لهم تشبُّهٌ بأُولئك الأخيار السَّابقين.



    نعم؛ إنَّ السَّلفيِّين، لا ينكرون أنَّ
    قِيادَ عقل الأمَّة، هو مسؤوليتهم الكبرى([2])،
    وأنَّ عليهم تنشِئتُها على منهج الوحي الأوَّل، الذي تأسَّست عليه القرون
    الثَّلاثة الأولى، فكانت أرفعَ القرون قدراً، وأوفرَها ضياءً، وأبصرها عاقبةً،
    وأنضرَها من بعدُ تاريخاً، وأوفرَها مجداً، وأوعبَها هُدىً وعلماً، وأنَّ هذه
    المسؤوليَّة لن تبلُغها أيديهم وعقولُهم إلاَّ بأمورٍ؛ هي: إخلاصٌ في النيَّة،
    وسواءٌ في القصد في العمل، ورجاءٌ فيما عند الله من ثوابٍ، وحرصٌ على تبصير
    الأمَّة في القصد في العمل، وحرصٌ على تبصير الأُمَّة بعقيدتها وشريعتها، وبواقعها
    المنظور المشهود المُنبئِ عَن حقيقة حالها، تبصيراً، يقصُر بها عَن الإيغال في
    بُنيّات الخيال، ويصُدُّها عن التَّرهُّب الفكري، الذي ما فَتىءَ يقود المئات
    والأُلوف بل الملايين، إلى شفا الجروف الهاوية، ويُرَدِّيها في قعرها، ويُنجيها من
    غِراءِ الأمل الخادع، الذي شفَّها بالهموم، وجرَّ عليها كآبة الأحزان الحرَّى،
    وجرَّعها علاقمَ السَّموم واليَحموم.



    وهذا -وأيم الحق- هو الفقه البصير، الذي
    يهدي صاحبه إلى مرضاة الله سبحانه، ويزيل عن قلبه ران الهوى، ويدنيه من الفهم
    الصَّواب لنصوص الوحي.



    وقد
    ذكرنا مراراً، أنَّ السَّلفيَّة منهجٌ، زمانه الزَّمان كلُّه، ومكانُه المكانُ
    كلُّه، وليس لأحدٍ من الأمَّة فضلٌ في حفظ نصوصه، التي قدَّمت لها أرفع منزلةٍ
    عرفتها الدُّنيا، وأبقت عليها في سطورٍ خوالد، محفورةٍ على جبين التَّاريخ، يقرؤها
    البصير المُبصر من بعد قرونٍ طِوالٍ، ويتلمَّسُها الضَّرير البَصير، بدبيب أنامله
    من فوقها؛ وأنَّ هذا المنهج، يقيم العقل الإنسانيّ المؤمن على الجادَّة الواضحة،
    ما دام قد استقى منه أسلوب العمل، وطريقة التَّفكير.



    لذا؛
    فإنَّ على كل من ارتَضى منهج السَّلف الصَّالح منهجاً لهُ، أن يتعرَّف هذا المنهج
    بكلِّ ما أودعه الله سبحانهُ من خصائص، لكي يسلم له أسلوبُ العمل، وطريقةُ
    التَّفكير، فلا يكون ظالماً نفسه بالجهلِ به، إذ أنَّ المسؤوليَّة التي يتقلَّدها
    السَّلفيُّون حيالَ الأُمَّة، تَقتَضيهم هذا، وإلاَّ فقد استباحوا أعراضهم
    لألسنَةِ النَّاس الطَّاعنين على السَّلفيَّة، لا يُمسكها وَرَعٌ، ولا يكفُّها
    علمٌ، ولسوف إن طال بنا العمر -نشاهد هذا الامر على جليَّته، وواجبٌ على الكثيرين
    أن يجتنبوا الأسباب التي استاقتهم إلى ما حذَّرنا منه مراراً وتكراراً، فذهبوا مع
    عوجهم الذي لا يصلح عليه غلا ما خلق الله من خلقه عليه([3]).



    وأحسـب أنَّ السَّلفيِّين حين لا يعلمون
    على أن يمسك الطَّـاعنون عليهم ألسنتهم، وعلى أن يكفُّوا طعونهم عنهم، فإنَّهم
    بذلك يكونون شركاءَهم في الإثم، وليس يُنجيهم من هذا الإثم، دَعواهم أنَّهم قَـد
    بلَّغـوا ما أوجبَ الله عليهم بلاغه، فإنَّ في الأمَّة أنماطاً مختلفة، وعقولاً
    مُتباينة، وطبائع غير مؤتلفة.



    والسَّلفيَّة -دعوةً وفقهاً- تريدُ
    طائفةً يحملونها للنَّاس، لأخلاقِها، وفِقهِها، ويُسرها، وقُوَّتِها، وكمالِها،
    وحسنِ قَبولها، وعَقيدتِها، وشجاعتِها، وتمامِها، وتأثيرِها، وهي الطَّائفة التي
    قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفةٌ من أمَّتي ظاهرين، حتَّى
    يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» وفي رواية أخرى: «لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي مَنصورين،
    لا يضرُّهم خذلانُ من خذلَهم حتى تقوم السَّاعة»، وفي رواية: «لا تزالُ طائفةٌ من
    أمَّتي قائمةً بأمر الله لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمرُ الله
    وهم ظاهرون على النَّاس»([4]).



    والظُّهور أو النُّصرة التي ذَكَرتها
    الأحاديثُ باختلاف ألفاظها، تختلف باختلاف أحوال الأمَّة، وليست تعني ظهورَها أو
    انتصارَها بالأمرةِ العامَّة تكـون بيدها على الأمَّة فحسب، بل قَد تعني شعور هذه
    الطَّائفة بأنَّها قويَّةٌ في نفسها، ليست تُبالي ما يكونُ من ذوي السُّلطان، أو
    المال، أو القوَّة، إن كان ما حولها على غير المنهج الحق، ذلكم أنَّ القوَّة
    الذَّاتية التي أودعهـا الله المنهج تُكسبُ حامليه قوَّة نفسيَّة عالية، تكادُ
    تنطقُ بها جوارحُهم وحواسُّهم، يراها فيا ويسمعها كلُّ من حولها، وما حولها.



    وأظهـر ما تكون هذه القُوَّة المُكتسبة
    بالمنهج، ما يلقيه الله سبحـانه على ألسنةِ هذه الطَّائفة من الحقِّ، الذي تُظهرهُ
    الحجَّةُ، وتُنطقهُ البيِّنة، وتَصدَعُ به البراهين المُتعاضِدةُ الواضحةُ
    الواثقةُ([5]).



    ولا يَجْمُلُ بالسَّلفيِّين أن
    يَفـرَكـوا النَّاس لخصومتهم، ومحاولـةِ الظُّهور أو استظهار النَّاس عليهم،
    وكَيْل الاتِّهام، واستعداءِ السُّفهاء، والـنَّـيـل من أعراضهم، ومجافـاتهـم،
    فـإنَّ الـدَّعـوة مـذ كانت، وهي تلقـى مثـلَ هـذا وأشـدَّ، ولـولا ما أنعـم الله
    بـه عليها من جهـاد الطَّائفـة الباقيـة في الـنَّـاس، القائمـة بالأمـرِ، لما كان
    لهـذه الدَّعـوة هذا الشأنُ الذي يعرفـه النَّاس عنها.



    غير أنَّه لا يحسُنُ أن يُغمِض
    السَّلفيُّون عيونهم على الخلافات التي تظهر فيهم بين الحين والآخر، فهم كسائر
    البشر يكون فيهم الخلاف، لكن لا عليهم لو أنَّهم سارعوا إليه وأخمدوه قبل أن يصبح
    عداوة مستَحِرَّةً فيهم، على نحو ما كان بين بعض رؤوسهم!! انتهى بهم إلى قطيعةٍ
    مريرةٍ، وتنازعٍ لازبٍ، وبغضاءَ طاحنةٍ، وضراوةٍ خرجت بهم عن النَّصَفةِ والأدب،
    مكَّن لخصوم السَّلفيَّة من الأكل من لحومهم أكلاً لمَّاً، والتَّزيُّدِ عليهم،
    والتَّشنيع على سيرتهم، والسُّخرية منهم، وهذا من هؤلاء السَّلفيِّين -ولا ريب-
    إعانةٌ منهم على المنكر، وكفٌّ عن المعروف، ولا يقال: مُحقّ ومُبطل، بل يُقال
    سلفيُّون خَلَعوا أنفسهم من سلفيَّتهم، وأوغلوا يرتعون في لعاعات الدُّنيا،
    ويمورون موراً في أتون البغضاء المكوَّرة، حين صاروا إلى فِئامٍ أضجعها حبُّ
    الدنيا، فأنساهم الله حق طاعته عليهم، ليتيهوا في الأرض أكثرَ من أربعين سنة([6]).



    ولسنا نعدُّ هؤلاء في الحواريِّين
    والصِّديقين، لكن حسبهم أنَّ لهم من السَّبق في العلم والدَّعوة، ما كان في
    وُسعِهم معه -لو أرادوا- أن يقطعوا ألسنة الخائضين، وأن يستجيبوا للحق، وينأوا
    عَـن رغائب النُّفوس، ويكونوا أُسوة بCrying or Very sadِ، وكظمِ الغيظ، والصَّفح الجَميل،
    والرغبة عن التحاكم إلى الطاغوت([7])!!!



    والصَّبر هو أمثلُ الأخلاق التي كان
    حقَّـاً على السَّلفيِّين أن يتجمَّلوا بها، والنَّصرُ معقودٌ به، والرَّجاءُ
    بالظَّفر موقوفٌ عليه، والأجرُ المأمولُ في الدُّنيا والآخرة مأتيٌ منه: {يَا أَيُّهَا
    الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ الله
    لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة آل عمران: آية 200].



    والمُنصفُ
    الرَّاجي عفوَ ربَّه، الذي يعرف الحق من مأتـاه، ولا يتَّعتَع فيه، ولا يميلُ به
    الهوى إلى غيره، إذا نظرَ بعين العقل في تـاريخ السَّلفيَّة، لا يرى فيه إلاَّ
    الضِّياء والبهجة، والسُّموَّ، والبَذلَ، ونُشدانَ الحقِّ والعَدل، والنَّصفَة،
    والوقـوفَ مع قول الله سبحانه مخاطباً نبيَّه:



    {وَاتَّبِعْ
    مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ الله وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}
    [سورة يونس: آية 109].



    ألا
    فَلْيَدَعِ السَّلفيُّون (دقَّتهم) العلميَّة في خصوماتهم الدُّنيويَّـة! فقد
    أذهبوا عنهم زينتهم التي ألفوا أنفسهم عليها، من غير جهدٍ يضني، ولا قلٍّ يُقعِدُ،
    وكانوا بذلك كلِّه على وهج الحسد والكبر ونُكران الجميل.



    (ل)
    ومِمَّـا قالوا
    :
    «الاجتهاد عند السَّلفيِّين، لا يستعصي علىأحد منهم!! والأئمَّة الأعلام من أصحاب
    المذاهب المشتهرة وغيرهم هم وإيَّاهم في الاجتهاد على قدم سواء!! والقَولة
    المشهورة الجاريـة على ألسنة السَّلفيِّين حين يذكر أولئكَ الأئمَّة: نحن رجال وهم
    رجال» اهـ.



    هذه
    المقولة لاحقة بالتي قبلها، وهي شيءٌ منها لكنَّها -لكثرة تردادها على ألسنة
    الطَّاعنين على السَّلفيَّة بها- يحسن أن نفردها بردٍّ خاصٍّ بها؛ لنتبيَّن به
    المُحقَّ من المُبطل، والمُتخرِّص الجاني من الصَّادق الْباني.



    وإنَّنـي
    والله لا أعجـبُ عَجبي ممَّن يتَّهـم السَّلفيِّين بالاجتهاد بمثـل هـذا الإطـلاق
    الذي لا يعرف عن السَّلفيِّين إلاَّ من الطَّاعنين عليهم، ولـو أنَّ أولئك
    الطَّاعنين قَصروه على العلماء النَّابهين من السَّلفيِّين -وذلك القرونَ كلَّها-
    لصدقوا ولأنصفوا؛ لكنَّهم بهـذا الإطلاق ما أرادوا إلاَّ الإساءَة بالقـول، والأذى
    باللسان، وقـد حرَّم الله هذا وذاك؛ لأنَّه خَرقٌ لأعراضِ المُسلمين، وتطاولٌ
    عليها، و «كلُّ المُسلم على المُسلم حرام: دمهُ، ومالهُ، وعرضهُ»([8])،
    فأين يذهب أولئك الخرَّاصون من بَهتِهم هذا، والنَّيل من أعراض إخوانٍ لهم من
    المسلمين، حرَّمها الله كما حرَّم الدِّماء والأموال.



    والعصور كلُّها مملوءَةٌ غاصَّةٌ بمثل
    هذا البهت والتَّطاوُل، وكلُّ عصر يأخذ هذا عن الذي قبله لِيُهَيِّئهُ للذي بعده،
    ومن يأتـي لا بدَّ وأن يُسعدَ الآتي من ورائه بشيءٍ من عنده، يزيدهُ على الذي ورثه
    عمَّن قبله، كأنَّما كَتَب القومُ على أنفسهم أن لا يَدَعوا سبيلاً، يصلهم
    بالإساءةِ لإخوانٍ لهم، تَجمعُهُم بهم وَشيجة نَسبِ الإسـلام إلاَّ وسَلكُوه،
    فإنَّا لله وإنَّا إليهِ رَاجعونَ.



    وإنَّه لو كانَ للسَّلفيِّين أن
    يَفخَروا بأمرٍ تفَرَّدوا به في النَّـاس؛ لكـان أعظَمَ مَا يفخرُون به ظَنُّهُم
    الحَسَن بأنفُسـهم - مِمَّا أنعَمَ الله بهِ عَلَيهم - أنَّهم مُقَلِّدون
    مـُتَّـبِعُون، لا يَـعـصُونَ نبيهم صلى الله عليه وسلم وإمامَهُم فيمـا أمَرَهم
    به، ويَفعلون ما يُؤمَرونَ به مِمَّا يأتيهِم عنهُ مِن غَيـر أناةٍ ولا تَرَدُّدٍ،
    ولا تَخيُّـرٍ!!([9])



    بَل إنَّ إجلالَهم لِذاتِهِ المَصونة من
    العُيوبِ، المُبَرَّأةِ من النَّقائض، الوافرةِ بالكَمال، هوَ عندهُم من أحسَن مَا
    يتَقَّربُون به إلى الله سُبحانَهُ وتعالى من الطَّاعاتِ، وليسَ يُعرفُ هذا عَن
    أحدٍ سِوَاهم في الأُمَّةِ، ومَا حَفِظتهُ عَيبةُ التَّاريخ لهم في هذا يَكفي
    دَليل صِدق ظَاهرٍ لهم.



    وهذا المفهوم صَاغَهُ الإمامُ الجَهبَذُ
    نَاصرُ السُّنَّة قامِعُ البدعَة أحمد بن حَنبل رحمه الله بقوله: «الاتِّباع أن
    يَتَّبع الرَّجُلُ ما جاءَ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ، ثُمَّ هو
    مِن بعدِ التَّابعينَ مُخيَّر». وفي قوله الآخر المُماثِله: «لا تُقلِّدني، ولا
    تُقلِّد مالكاً، ولا الشَّافعي، ولا الأوزَاعي، ولا الثَّوريِّ، وخُذْ من حيثُ
    أخذُوا». وفي رواية: «لا تُقَلِّد دينك أحداً من هَولاءِ؛ ما جاءَ عن النَّبيِّ
    وأصحابه فَخُذ به، ثُمَّ التَّابعينَ بَعدُ الرَّجُلُ فيهِ مُخَيَّر».



    وقد مَضَت القُرون مَوقُورةً بِسيرَتهم
    -عُلماء، وطُلاَّبَ عِلم، ودُعاةً، ومُجاهِدينَ، وآمرين بمعروفٍن وناهينَ عَن
    منكرٍ- مَسطورةٌ في صَحَائفها أقوالُهُم، مُدَوَّنةٌ على حَواشيها كلِماتُهُم
    وآراؤهم، والنَّاظِرُ فيها لا يَجدُ غَيرَ ما قُلتُ، لَيسَت دَعاوَى مُحَمَّلةً
    بالظُّنونِ، ولا سَجَحَاتِ فِكر مَنظُومةً بالتَّكلُّفِ، ولا تَمْتَمَاتِ شِفَاةٍ
    مَعقُولةً بالرِّيَبِ، فانظُر إلى آثارها فيهم تَجِدَ نفسَك -إن كنتَ مُنصِفاً-
    أنَّـك على رَجاءٍ أو أمَلٍ يوماً في نَفسِكَ أن تَلتَقيهُم على الطَّريق الَّذي
    سلكتْهُ قَافِلَتُهُم مذ كانُوا، حَـتَّى تَغيبَ شمسُ الدُّنيا، وتُدبر الحَيَاةُ
    عَن الكَونِ.



    ولَكِن أينَ المُقسِطُونَ
    المُسدَّدُونَ؟!!



    ولَكَ أيُّها الظَّانُّ! في أيِ واحدٍ
    يَنهجُ مَنَهجَ السَّلفِ الصَّالح أن تَسألُهُ: ماذا يصنَع حينَ يجد نفسهُ أمامَ
    أمرٍ يَقتَضيه أن يَعرف حُكمَ الله فيه؟ وهذا الأمرُ إمَّا أن يكونَ حادثاً لَم
    يُحكم عَلَيهِ بِحُكمٍ من قبل؛ وإمَّا أن يَكونَ قَد حُكِمَ عليهِ من قبلُ.



    ولسَوف تَجِد جَوابَ هذا المَسؤول
    اليَومَ هوَ نفسهُ جَوابَ مَن لَو كَانَ قد سُئِلَ عَن الأمرِ نفسِهِ قبَل قَرنٍ
    أو أكثر؛ مَوصولاً بالقُرُونَ العَتِيقَةِ الأولى التي شادَ ذِكرها الحَسَن
    الصَّحابةُ والتَّابعونَ وتابِعُوهم، حَتَّى لكأنَّ هذا الجَوَاب قد صِيغَ من
    ألفاظٍ وحُرُوفٍ واحدةٍ، وحَتَّى لكأنَّما المُجيبُ على تباعُدِ الحِقَبِ وَاحدُ،
    وحَتَّى لكأنَّما النَّـظرُ المُستقرىءُ الجَوابَ على اختِلافِ البِقَاعِ واحِدُ.



    ما الَّذي جَعلَ ذَلكَ كلَّهُ كذلكَ؟


    هوَ لا شَكَّ وِحدةُ المَنهـج؛ الَّذي
    لا يَعدو الأصلَين المُنزَّلَيْن على رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم: هُما
    الكِتابُ والسُّـنَّة، ومَا دامَ أنَّهما لَن يَفْترِقا حَتَّى يَرِدَا على رسول
    الله صلى الله عليه وسلم الحَوضَ، ولَن يَختلِفا ولَن يَتَنافَرا، ولن يُفهَمَ
    أحَدهما إلاَّ بمُظاهَرَةِ الآخر لَهُ، فكيفَ يُرادُ مِن قَوم ألفوا أنفُسَهُم
    -بِصَادِقِ رَغبَتِهِم، وحُسنِ تَوجُّههم، بتوفيقٍ من ربِّهم سُبحانه- مُقيمنَ على
    المَنهج، قافِينَ أثَرَ القُرُونِ الثَّلاثَةِ الأولى، لا يُريدُونَ جَزاءً ولا
    شُكوراً، أن يَتَحَوَّلُوا عَنهُ إلى غَيرهِ، وأن يَكونَ لَهُم مُتَابعةٌ لِغَير
    أهْلِ تِلكَ القُـرُون؟!



    وكَيفَ
    يَكون لَهُم أن يَتَحَوَّلُوا عن هذا المنهج إلى غَيـره، وأن يَكُون لَهُم
    مُتابعةٌ لِغَيرِ أهلِ تِلكَ القُرونِ الغَرَّاء، وقد أُشربَت قُلُوبهم حُبَّاً
    لها، ومُلِئَت صُدُورُهُم إعظاماً لهَا، ووُقرت عُقولُهم وأبصارُهُم، وأسماعُهُم
    بِميرَاثِـها المُشرِق الأخَّـاذ؟!



    إنَّ
    التَّحول عن هذا المنهج مَرهونٌ بالموت، أمَّـا ما دامت الحياة تجـري في العروق
    فلا تحوُّلٌ، لأنَّ التحوُّلَ عنه معناه: إيثَـار غير الوحي على الوحي، وتقديم غير
    الرَّسول صلى الله عليه وسلم عليه.



    وَمَا عَرَفَ الدُّنيا أحسنَ طاعةً، ولا
    ألزم أثراً، ولا أشدَّ حباً وَتحرِّياً لرسول الله صلى الله عليه وسلم من صحابته
    رضوان الله عليهم؛ فقد كانوا عنواناً مضيئاً للإسلام كلِّه، بعقيدته وَشريعته،
    وسيرة حامِلِه وَمبلِّغهِ، وما وَجَدت القرونُ المُتَعاقِبَة -ولن تَجد- مثلهم في
    هذا أبداً ولا في مثلهن وَاستظهاره واتِّخاذهم آلةً في معرفة أمر النبيِّ صلى الله
    عليه وسلم كلِّه معرفةً تُلزم العارفَ الحقَّ الذي جاءَهم به صلى الله عليه وسلم
    من عندِ رَبِّه، حتَّى لكأنَّهم بهذه المعرفة -على بُعدِ الزَّمـان وَشُسوع
    المكان- يُصلُّون معه، ويحجُّون معه، ويُجاهدونَ معه، ويصومون معه، ويعيشون معه،
    فلا يغب عنهم من أمره شيءٌ ألبتَّة([10]).



    وإذا كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه
    وسلم قد أخذت بمجامع قلـوب القرون كلِّها؛ فإنَّ سيرة أصحابِه رضي الله عنهم
    تُعدُّ جزءاً من سيرته صلى الله عليه وسلم، فلهـا حظٌّ وافرٌ منها، وبذلك حازت
    شرفين اثنين؛ أدناهما منزلة ازدهت به دُنيا الإسلام وحياةُ المسـلمين، فيكف وقد
    سارا معاً على درب التَّاريخ يتحدَّثان عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
    المُعلِّم، المُربِّي، الأُسوة، الآية الَّتي ملأت الأرض والسَّماء علماً، وهدىً،
    ونوراً، وعن الصَّحابة والحواريِّين الَّذين ما وطئت أقدامُهم مناكبَ الأرض إلا
    مُجاهدين، دُعاة، علماء، لا يَبتغنوَ تحوُّلاً في أمرهم كلّه عن نبيِّهم المعلِّم
    المُربِّي الأسوة.



    كان الصَّحابة رضوان الله عليهم جميعاً
    -سواءٌ أكانوا على قرب من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أم كانوا على بُعدٍ منه-
    لا تنزل بهم النَّازلة، ولا تحدُث فيهم الحَادثة، ولا تأتي عليهم الآتية؛ إلاَّ
    وعقولهم وأسـماعُهم وألسـنتهم مشدودةٌ مَوثوقةٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
    تأخذ منه حكـم الله عزَّ وجلَّ من آيةٍ أو من كلمةٍ منه، أو من فعلِ يَفعله،
    يعرفون ذلك منه مشاهدةً ورؤيةً، أو سمـاعاً وتلقِّياً من بعضهم البعض، حتَّى إنَّ
    الواحـد منهم لينصرف عن النَّبي صلى الله عليه وسلم -أو عن أخيه الَّذي سمع منه
    وتلقَّى عنه- إلاَّ وما أخذه أو تلقَّاه عملٌ تتحرَّكُ به جوارحه، وِعلمٌ يجري به
    لسانه تعليماً بأمر أو بنهيٍ، ودعوةً إلى التَّوحيد والشَّريعة في البادية
    والحَضَر.



    وكانت الآية أو السـورة من القرآن تنزل
    على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تقع من لسانه -وهو يتلوهـا- على مسامع
    أصحابه؛ إلاَّ وهي على قلوب خضَّلها الإيمان، فَتُـيْـنَعُ ثَمراتٍ شهيَّةً
    دانيةً، تتدلَّى بها أماليدُها الخُضر، فلا يُصيب منها واحدٌ ممن لم يكونوا شاهدين
    نزولها، إلاَّ وهي مُسرعةٌ إلى صدره نوراً مُبيناً، وإلى عقله علماً نافعاً، وإلى
    جوارحه سلوكاً حميداً.



    إذاً؛ فهل لكلِّ من أتى من بعد هؤلاء
    الصَّحابة رضي الله عنهم أن يرى لغيرهم سبيلاً عليه بفضلٍ من علم أنشأ في عقله
    معرفةً راشدةً، أو في قلبه هدايةً مُشرقةً، أو في جوارحه سُلوكاً مُهذَّباً؟!



    إنه إن يرى ذلك لغيرهم؛ فهو على غير
    هدىً، ولا على علم، ولا على كتابٍ مبينٍ، لأنَّه يعرف الفضل -بما أفضل الله به
    عليه من نعمة العلم والهدى والعمل- لأهل الفضل أوَّلاً وآخراً لله سبحانـه، والبشر
    إنَّما هم أدواتٌ صالحةٌ إن سُخِّرت للخَير، وفاسدةٌ إن سخِّرت للشَّرِّ.



    وأعْلَمُ الأمَّة بموروث علم رسول الله صلى
    الله عليه وسلم هم أصحابه من بعده، فهم قد أخذوا العلم عنه أخذاً عمليَّاً
    بالرُّؤية، وأخذاً شفهيَّاً بالسَّماع، فاجتمع لهم بذلك العلم سماعاً وعملاً،
    تلقِّياً وتَفسيراً، فما كانَ أسهلَه وأيسره عليهم وأوضَحه وأبينَه لهم.



    واللُّغة هي وعاءُ هذا العلم، وكانوا
    أفصح النَّاس لساناً، وأبينهم بها حجَّةً ومعنى، فلا غَروَ إذاً أن يكون الآخذُ
    عنهم آخذاً بمثل ما أخذوا هم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.



    وشدَّةُ حرصِ هؤلاءِ الآخذين عن
    الصَّحابة -وهم التَّابعون- عاضَتْهم من النَّقص الذي كان بعدم السَّماع المُباشر
    عن الرَّسول صلى الله عليه وسلم.



    ثُمَّ يأتي من بعد هؤلاء تابعوهم، على
    أنَّهم أنزلُ منهم في الفضل، ولكنَّهـم في العلم بالغون درجةً عاليةً كانت لهـم
    بالحرص الذي أخذوه عن التَّابعين.



    وبهذا ومثله كانت هذه القـرونُ
    الثَّلاثة فَخْرَ قرون الإسـلام على الإطلاق، واستحقَّت الثناء النبوي ما لم
    تَنَلهُ من القرونِ الآتيات من بعدها، إلاَّ طوائف قليلة اشتدَّت عليها وطأةُ
    الغربة، حفظت من موروث علم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثير، وفازت بحظٍّ
    وافرٍ من رضـاه وحبِّه، فكان لها لقاءٌ مع تلك القرون الثَّلاثة -على بُعد
    الزَّمن- على درب المنهج الواحد، فأخذت بحبل النَّجاة، وفازت فوزاً عظيماً
    بِصَبْرها ومصابرتها على غربتها.



    وقـد منَّ الله على هذه الأمَّـة أن
    بَعَث فيها رسولاً من أنفُسها يَتلو عليهم آيات ربِّهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة،
    ثُمَّ قَيَّضَ الله للأمَّة بعد موته صلى الله عليه وسلم من يحفظ لها دينها بتدوين
    سنَّته؛ قولاً، وفعلاً، وأحوالاً، فكانت هذه الكتب التي أُودعت فيها سنَّـتُه صلى
    الله عليه وسلم شاهدةً على صدق كلمات الله سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
    الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [سورة الحجر: آية 9].



    إذاً؛ فأخذُ العلم عن رسول الله صلى
    الله عليه وسلم لم ينقطع ولن ينقطع أبد الدَّهر، وستظل هذه الأمَّة -ما بقيت الحياةُ-
    قائمةً بحقِّ هذا العلم، تنضُو به لباس الجهل عَن الأمم والشُّعوب، وتزيل به
    اللَّبس الذي خالط عقيدة التَّوحيد.



    غير أنَّنا -بكلِّ صـدقٍ، ومن غير مَينٍ
    ولا تخيُّلٍ، ولا جذب، ولا هَوسٍ، ولا دَجلٍ- نقول: نأخذ عن رسول الله بوساطةٍ،
    ولا نأخذ عنه مباشرة، فنقول: «روينا عن فلان عن فلان عن فلان عن رسول الله صلى
    الله عليه وسلم وعَن الذين من بعدهم»، ولا نقول: «أخبرني قلبي عن ربِّي»! لأنَّنا
    نخاف الله وعذابه، ونرجـو رحمته وثوابه، ونستحيي من الكذب الصُّراح، والدَّجل
    البواح، ونخشى أن تُصيبنا دائرة، أو أن تُحيقَ بنا فتنةٌ، ثمَّ نحبُّ أن نَظلَّ
    عقلاءَ!!



    وكُتـب السُّـنَّة -وCool- لم
    تغادر شيئاً مِمَّا تحتاجه الأمَّة في حَياتها الخاصَّة والعامَّة، وطالب العلم
    الذي يريد الخير لنفسه، وأن يتفقَّه في دينه -إذا ألمَّ بأدوات العلم ووسائله
    الميسَّرة- فإنَّ ما في الكتب يُغنيه ويُغنيه ويُغنيه، فلا حاجة لأن يأخذَ الفقه
    من غيرها، فإنَّ الفقه كلَّه في سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والباحث عن
    الفقه في غَير السُّـنَّة -إن توفَّرت له أدوات العلم ووسائله- كالباحث عن ضالَّته
    في غابة كثيفة الأشجار!



    وإنَّه لمِمَّا يُؤلم النَّفسَ، ويُحزن
    القلب، أن تسمع بأقوامٍ أو رجالٍ يقولون: إنَّ من يشتغل بالحديث أو بالسُّـنَّة
    وعلومها لا يكون فقيهاً، فالفقه شيءٌ والسُّـنَّة وعلومها شيءٌ آخراً!([11])



    وهنا أسأل هؤلاء: ماذا يقولون في
    الصَّحابة الذين ما كانوا فقهاء إلاَّ بالسُّـنَّة؟ وماذا يقولون في الأئمَّة
    الأربعة الذين ما لانت لهم قناة العلم إلاَّ بالسَّـنَّة وعلومها، ولا أمسكوا
    بزمام علم الأُصول، -أُصول الفقه- إلاَّ بإحاطتهم بالسُّـنَّة، ودرايتهم بدلالات
    نصوصها؟ وكما كان يُعذر بعضُ الصَّحابة في اجتهادهم الذي يخطئون به، فيؤجَرون
    أجراً واحداً -وبخاصَّة إن كانوا بعيدين من رسول الله صلى الله عليه وسلم- فإنَّ
    إماماً كأبي حنيفة رحمه الله تعالى -وقد أنعم الله عليه بملكة علم فاذَّة- يُعذر
    أيضاً في اجتهاده الذي كان واجباً عليه به أن يقـول للنَّاس ما يبدو له من وجه
    الحقِّ فيه -وإن أخطـأ وله بخطئه أجرٌ- وإن لم تكن بين يديه نصوص السُّـنَّة كما
    صارت بين يدي مَن بَعده من الأئمَّة المُجتهدين.













    ([1])
    رواه مسلم.







    ([2])
    ذلك حقٌ لو أبقى السَّلفيون على هَيْبتهم واحترام الناس لهم، أما وقد صاروا إلى
    الحال السَّيئَة -التي هم عليها اليوم فلا ولن-، فقد أفَلَتْ أحلامهم، وولَّت
    أدبارها عنهم، وصار يحزنهم أن يكونوا علىكلمة واحدة سواءٍ، فخير لهم أن يقرءُوا
    قول الله {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ
    ثُمَّ
    لاَ يَكُونُواْ أَمْثَالَكُم} وأن يستحيوا من -=الكلمات الفضفاضة، والشعارات
    الجوفاء من مثل: كتاب وسنَّة على فهم سلف الأُمة، فلا وربِّ الكعبة، ما كان مثل
    هذا عند سلف الأُمة، فليحزنوا كثيراً وليبكوا كثيراً، لعلَّ الله يتوب عليهم.
    ويعيدهم إلى الحق والصواب.







    ([3])
    وليس يصلح أمر السَّلفيين بدعواهم: أنهم على منهج الكتاب والسُّـنَّة وهم مقيمون
    على ما ينفي هذه الدعوى التي لا يصدِّقها الواقع، وليتهم يتراحمون فيما بينهم
    بعضهم مع بعض، أو ليتهم إذا كانت منهم دعوى على واحدٍ منهم أنه قد خرج عن (مذهب
    السَّلفيَّة بزعم) مدَّعيهم أنها مذهب يعرفون له حقه بحق قول الله: {وَلاَ
    يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ
    أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}، نعم هي مذهب بل هي مذهب الحق، لكنها لا تصلح إلا لأهلها،
    وقليل هم والله هم، يعرفون أنفسهم، بأدب الصالحين، وعلم الأخيار المتقين، وخلق
    العلماءِ الفالحين، والدعاة الفضلاء الذين يعرفون معنى وصيَّة لقمان لابنه كلِّها
    من أولها إلى آخرها...!!







    ([4])
    حديث متواتر، ألفاظه عدّة، وروايته متعددة.







    ([5])
    تلك أُمَّة قد خلت، وبقيت ثلَّةٌ، أرجو أن يحفظها الله بما أبقت تلك الأُمَّة
    الخالية من أثارة أدب وحسن خلق!!







    ([6])
    وأظهر ما يكون هذا الاختلاف بينهم في أصحاب الأقلام والكتب التي صارت فيهم مِهنَة
    حلابٍ من إبلٍ عجفاءَ مهزولة، أما الذين كتبوا لينشروا دعوة الحق في الأرض فقد
    أضحوا على شرف قلوب الناس.







    ([7])
    وقد تمعَّرت قلوبهم ووجوههم مِن قتار المال الذي أرخَص مودَّاتهم، ونفى عن صدورهم
    بَرْد الهدى، وسنا النور.







    ([8])
    رواه مسلم وأحمد عن أبي هريرة.







    ([9])
    كان هذا في قوم سلفوا، أما اليوم فقد صار المجتهدون كثيرين في السَّلفيين.







    ([10])
    لكن هل يبقى السَّلفيون العاقبون الآتون من بعد القرون الأولى على المنهج نفسه، أم
    سيسفك بعضهم أعراض بعض، ويكيل التُّهَم بعضهم لبعض، ويتحاسدون في الدنيا وعليها من
    غير ورع ولا تقوى، وهم يدَّعون أنهم ينصرون الدَّعوة والمنهج وهم والله يستقدمون
    أهواءهم بذلك؟! ولم يعد عجيباً أن يُرى أو يُسمع، تسافك الأعراض، وتسافُح القلوب،
    بين هذا المُهبِّشِ وذاك المُحرِّشِ، من الصفوة الصَّفوة من السَّلفيين، في غير
    ورعٍ ولا أدب ولا رجاءٍ في عاقبة، ثم يقول أحدهم: إني أخاف الله وأنصرُ الحقَّ، يا
    سبحان الله، ما أضلَّها وأفسدها من دعوى!!







    ([11])
    وهذا شيءٌ كان يُكْثِر القول فيه، بعض من لم يعـرف علم الشيخ ناصر رحمه الله.





    avatar
    صلاح محمد حسانين
    المدير العام

    النوع : ذكر
    عدد المشاركات : 6402
    العمر : 54
    تاريخ التسجيل : 28/06/2009
    المهنة :
    البلد :
    الهواية :
    مزاجي النهاردة :

    عام رد: قرأت لك (هى السلفية ))

    مُساهمة من طرف صلاح محمد حسانين في 26/7/2012, 2:32 am

    ولا يفوتنا أن نذكر هنا أيضاً؛ أنَّ
    وفرة النُّصوص من السُّـنَّة قد لا يدركُ بها المجتهد مرتبة مجتهد آخر، ليس لديه
    ما لدى الأوَّل من النُّصوص.



    فالإمام الشَّافعي رحمه الله تعالى كان
    أعلى مرتبة في الاجتهاد من الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ومعلوم أنَّ الإمام أحمد
    كان أوفر وأكثر حفظاً للسُّـنَّة من الإمام الشَّافعي رحمهما الله تعالى.



    ولكن نزول درجة الإمام أحمد عن درجة
    الشافعي -رغم أنَّ الأوَّل أكثر حفظاً من الثَّاني- ونزول درجة الإمام أبي حنيفة
    -لغياب نصوص السُّـنَّة عنه لعدم تدوينها في زمانه- عَن درجة الإمام مالك مثلاً؛
    ما كان ليَغُضَّ من قَدر أحمد ولا من قدر أبي حنيفة، بل يكون كلٌّ منهما مُطَّرَحَ
    ثناءِ من ملأ ا لأرض علماً -وهو الإمام الشافعي- حيث يقول في أبي حنيفة رحمهما
    الله: «النَّاس عيالٌ على فقه أبي حنيفة».



    ولا يرى بأساً أن يحفظ عنه التَّاريخ
    كلمةً كان يرسلُ بها إلى أحمد رحمه الله: «أنتُم أعلم بالحديث والرِّجال، فإذا كان
    الحديث الصَّحيح فأعلموني به أيَّ شيءٍ يكون؛ كوفيَّاً أو شاميَّاً، حتى أذهب إليه
    إذا كان صحيحاً»([1]).



    هذا -وربِّ الأرض والسَّماء- هو العلم
    الذي يُعرف به لحامليه قدرُهم، ويَعرف حاملوه به أقدارَهم، وحُقَّ لكلِّ واحدٍ
    منهم أن يقول في نفسه لنفسه: ما رأيت مثل نفسي!! من باب الاعتراف والإقرار بنعمة
    الله عليه، لو كان يقول!



    فهل يَضيرُ هؤلاء الجبال أن يقال فيهم
    بَعد القرون الطِّوال التي ظلَّت تَفترُّ ثغورُها بكلمـاتهم العِذاب: إنَّ فلاناً
    أخطأ في كذا، أو لم يصب في كذا، أو لو أنَّه قال كذا لكان أحسن وأفضل؟



    هؤلاء ليسوا كمن أتى من بعدهم؛ ممَّن
    ألفَوْا أنفسهم أُسارى التَّقليد الأعمـى، فإنَّ قول أحد من النَّاس من بعدهم في
    واحدٍ منهم: أخطأ في كذا، كقوله: أصاب في كذا. فلا يُفرحـه ثناءٌ، ولا يُغضِبه
    تخطئةٌ، إنَّهم جبالٌ، جهابذةٌ، عقولٌ ضخمة، أتقياءُ، أفذاذٌ، ورثوا عن الصَّحابة
    كلَّ فضائل النَّفس، وعلموا منهم أنَّ: نصف العلم لا أدري.



    وإذ ذلك كذلك؛ فلا جَرَم أن يَتركوا من
    بعدهم للأُمَّة كلماتٍ برَّؤوا فيها أنفسهم من تَبِعَةِ الخطأ الذي كان باجتهادهم،
    فما حملـوا فيه وزراً، ولا أصابوا منه ذَنباً، بل إنَّهم أحسَنوا فيه صُنعاً،
    ونالوا بِهِ أجراً: «إذا اجتهدَ الحاكم فأصَاب كانَ لهُ أجران، وإذا اجتَهَدَ
    فأخطأ كانَ له أجر»([2]).



    فهذا أبو حنيفة رحمه الله يقول: «إذا
    صَحَّ الحديث فهو مذهبي»، ويقول أيضاً: «لا يحِلُّ لأحدٍ أن يأخذَ بقولنا ما لم
    يعلم من أين أخذناه»، وفي رواية: «حرامٌ على من لا يعرف دليلي أن يفتي بكلامي،
    فإنَّنا بشرٌ نقول القول اليوم ونرجع عنه غداً».



    وهذا الإمام مالك رحمه الله يقول:
    «إنَّما أنا بشرٌ أُخطىءُ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكلُّ ما وافق الكتاب
    والسُّـنَّة فخذوه، وكلُّ ما لم يوافق الكتاب والسُّـنَّة فاتركوه»، وقال: «ليس
    أحدٌ بعد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلاَّ ويُؤخذ من قوله ويترك؛ خلا النَّبيِّ
    صلى الله عليه وسلم».



    ومثل هذا يقول الإمام الشافعيُّ رحمه
    الله: «ما من أحدٍ إلاَّ وتذهب عليه سنَّةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتَعزُبُ
    عنه، فمهما قلت من قول، أو أصَّلْتُ من أصلٍ فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
    خلافُ ما قلت؛ فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قولي»، وقال:
    «أجمع المسلمون على أنَّ من استبان له سنَّةٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لم
    يحلَّ له أن يدعها لقول أحدٍ»، وما أجمَلَ ما قال -وكلُّ ما قال جميلٌ وحسنٌ-:
    «إذا وجدتُم في كتابي خلافَ سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقولوا بسنَّة
    رسول الله صلى الله عليه وسلم ودَعوا ما قلت»، وفي رواية: «فاتَّبعوها، ولا
    تلتفتوا إلى قول أحد»، وقال: «كلُّ حديثٍ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فهو
    قولي وإن لم تسمعوه منِّي».



    وهذا الإمام أحمد رحمه الله يقول: «رأي
    الأوزاعي، ورأي مالك، ورأي أبي حنيفة؛ كلُّه رأيٌن وهو عندي سواءٌ، وإنَّما
    الحجَّةُ في الآثار».



    وقالك «لا تقلِّدني، ولا تقلِّد مالكاً،
    ولا الشَّافعي، ولا الأوزاعيَّ، ولا الثَّوري، وخُذ من حيثُ أخَذُوا»([3]).



    رحمهم الله وجزاهم عن الإسلام
    والمُسلمين خير ما يَجزي عباده الصَّالحين، فقد -والله- عَظُمت أقدارهم بهذه
    الكلمات المُبينات، عند الله وعند النَّـاس، ولو لم يتركوا من ورائهم علماً
    إلاَّها لكفـى، فكيف وقد أمْلَوا على التَّاريخ صحائفَ من نور الكتاب والآثـار،
    ستظلُّ موفورة بذكرهم الماجد، تدفع عنهم في صدور الَّذين تواطؤوا على أن ينسبوا
    لهم أقوالاً وآراءً في الفقه، لو أنهم بعثوا من قبورهم، وقرؤوها أو سمعوها؛ ما
    زادهم ذلك إلاَّ إيماناً بأنفسهم، وتصديقاً بما خلَّفوا من ورائهم من تلك الكلمات
    الباهرة، التي تنفي بنورها، وصِدقها، كلَّ ما نُسبَ إليهم من بعدهم، وتظلُّ
    قناديلَ مسرجةً في دُنيا النَّاس، تحدِّث النَّاس بِنورها المنبعث منها؛ أنَّهم
    سيظلُّون في حاجةٍ دائمةٍ إلى نورها.



    ولا أحسبُ أحداً في الأُمَّة يرى أنَّ
    اتِّباعَ هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى -فيما صحَّت نسبتُه إليهم، وصحَّ لهم
    دليلهُ- موافقاً للوحي بدعةٌ وخطأ؛ فإنَّ اتِّباعهم فيه هو -في الحقيقَةِ-
    اتِّباعٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، واتِّباعهم فيهِ على مثل ما ذكرنا يصحُّ
    القول فيه: «كلُّهم من رسول الله ملتمس»!!



    أمَّا إن انتفى مَمَّا نُسبَ إليهم ما
    ذكرناه؛ فهذا القول باطل جدَّاً، وسيِّءٌ جداً، وليس من الأدب العقلي ولا الأدب
    الشرعي ذكرُه؛ لأنَّه شيءٌ من الكذب ولا بدَّ، إذ كيف يكون مُلتَمَساً من الرَّسول
    صلى الله عليه وسلم الشيءُ وضدُّه من الأحكام؟! وهو تناقضٌ لا في كلام البشرن بل
    في وحي ربِّ البشر؛ سبحانه وتعالى عن ذلك عُلُوَّاً كبيراً.



    فهل يُعابُ من يتحرَّون الحقَّ في أقوال
    الأئمَّة رحمهم الله تعالى على نحو ما قالوا وحدَّثوا وأمروا؛ لكيون مُتَخَـيِّراً
    منه ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحقيقة والواقع؟! لأنَّهم -رحمهم
    الله- في أقوالهم وفتاواهم إنَّما هم موقِّعون عَن ربِّ العالمين، وهل يكون
    مجترحاً خطيئةً أو كاسباً إثماً من يرى من أقوالهم رحمه الله -حسب ما قالوا- خطأ
    فيدعه، ثمَّ يعرف الصَّواب فيأخذه؟!



    إنَّ اجتراح الخطيئةِ -في الحقيقة
    والواقع- وكسبَ الإثم، إنَّما هو في ترك الصَّواب إن عُرف؛ وفي فعل الخطأ إن عُلم،
    وهذا هو التَّقليد الأعمى الذي يُكِبُّ المقلِّد على وجهِه، أو يُلقي المُتِّبع
    على قفاه، وهذا هو ما عليه عامَّة المُتَمَذهبينَ، ثمَّ هم يصرُّون على أنَّ كـلَّ
    مذاهبهم ليـس فيها إلاَّ الحقُّ، وأنَّ هذا الحقَّ كله -على ما بين المذاهب في
    كثير من المسائل من تناقض- مؤيَّدٌ بالأدلَّة الشرعيَّة، فكيف لا يقال إذاً:
    «وكلُّهم من رسول الله ملتمس»؟! ثمَّ كيف يُعذَلُ، أو يُخاصَم، أو يُقاطع، أو
    يُعادى، أو يُنكَر عليه، أو حتى يُشتَم، أو حتى يُتَّهم بأنَّـه خامسيٌّ، أو
    رافضيٌّ، أو خارجيٌّ، وأخيراً بأنَّه وهَّـابيٌّ!!



    وهذه (الأخـيرة)!! أفظَعُها وأخبثُها
    وشرُّها عند أولئك العادين الظَّلمة!! إي والله العظيم -من يفرِّق بين الصَّواب
    وبين الخطأ في المذاهب، فيقبل الصَّواب ويدع الخطأ، يقبل الصَّواب على أنَّه هو ما
    أمر الله به، وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، ويدع الخطأ على أنَّه ما لم يأمر
    الله به سبحانه، ولا أمرَ به رسوله صلى الله عليه وسلم.



    فأيُّ الفريقين أهدى سبيلاً وأقوم
    قيلاً؟ الذي يسلِّم للمذاهب -أي بكلِّ ما فيها- تسليماً، ويرى الخطأ فيها
    كالصَّواب والصَّواب كالخطأ؟ أم الـذي يَميز ما بينَ الخطأ وبين الصَّواب امتثالاً
    للأئمَّة وكلماتهم رحمهم الله جميعاً، وتأدُّباً معهم، وطاعةً لهم، وإبراءً
    لذمَّتهم، واحتراماً لكلماتهم، من غير تجريحٍ ولا تقبيحٍ ولا سخيمةٍ في صدرٍ، ولا
    مذمَّةٍ على لسانٍ، ولا نُفرةٍ في قلبٍ، ولا مكرٍ سيِّءٍ في جَنانٍ؟! إنَّهما لا
    يستَويان مثلاً!!



    إنَّ مَن يعيب على من يسلك هذا المسلك
    مع أئمَّة المذاهب؛ إنَّما هو يعيبُ على هؤلاء الأئمَّة أنفسهم، ثمَّ يَمضي
    بإعابتـه هذه حتى يبلغ الصَّحابة رضوان الله عليهم، ثمَّ هو يُخشى عليه أن يكـون
    عائبـاً على الوحي -عياذاً بالله- والمُنزَّل عليه الوحي، وكان ممَّا نزل به الوحي
    عليه: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله
    وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [سورة آل عمران: آية 31]، ومنه: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ
    فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ} [سورة لانساء: آية 59].



    فالأمر -بالإنكار على المُفرِّقين بينَ
    الصَّواب وبين الخطأ في المذاهب- ليس هيِّناً؛ إنَّه شرٌّ على العقيدة وبيلٌ،
    وخطرٌ على الدِّين عظيمٌ جليلٌ، فإذا كان ولا بدَّ من أمر لا يَبين عَن رأي صاحبه
    بكتمانه؛ فَلْيَسَعْ أولئك المُنكرين الصَّمتُ، وهو خيرٌ، وقليلٌ فاعله.



    إنَّ الذين ينظرون في فقه المذاهب،
    فيأخذون الصَّواب ويدعون الخطأ -حسب القواعد الرَّصينة التي خلَّفها الأئمة
    المجتهدون من بعدهم لا يُؤثِرونَ فِقْهَ أحدٍ على أحدٍ منهم، لنسبةٍ عَصبيَّةٍ، إو
    إيثارٍ بهوى، أو انقيادٍ أعمى- هو الفقهُ السَّويُّ الذي يُقيمُ المُسلم على
    بصيرةٍ من أمره، وينجيه من التَّخبُّط المُضني الذي لا يُسلمه في النِّهاية إلا
    إلى الحَيْرَة.



    إذاً؛ فالاتِّباع الحق، والتَّقليد
    السَّليم؛ ليس هو أن يُسلم طالب العلم عقله إلى أقوال المذاهب وآراء أصحابها
    -الذين رأينا من أقوالهم وكلماتهم في التَّحذير من التَّسليم المُطلق لآرائهم
    وأقوالهم- بل هو النَّظر المُميِّز الذي يُفرَّق فيه بين الصَّواب وبين الخطأ.



    وهـذا كما أسلفنا من قبل، إن كان طالب
    العلم لديه من القدرة ما يمكِّنه من النَّظر والتَّمييز، أمَّا إن كان ممَّن ليس
    لديهم القُدرة؛ فإنَّه يصبح من العبثِ أن يقال لمثله: انظُر وميِّز! فهل لفاقد
    الشَّيءِ أن يُعطيه؟! وكيف؟!



    وكثيرون هم الذين يرمون السَّلفيِّين
    بهذا، ويصرِّحون بأعلى أصواتهم بها، ويبادرون بالويل والثُّبور عليهم، ويحسبون
    أنَّهم على شيء من حقٍّ أو بصيرةٍ، ولا والله ما هم على شيءٍ من ذلك أبداً، لكنْ
    ساءَهم أن يروا ملايين الشَّـباب في العالم يُقبلـون على كتب السَّلف وعلماء منهاج
    السَّلف، فيأخذون بأقوالهم وفتاواهم؛ لغلبة ظنِّهم -أو اعتقادهم- أنَّهم لا يدعون
    الدَّليل في أيَّـة مسألة علميَّةٍ أو أيِّ رأيٍ فقهي، فماذا في هذا؟



    هذا هو العيب الذي سوَّد وجوهَ الشَّباب
    السَّلفيِّين -وهي بيضاءُ ناصعةٌ- في نظر هؤلاء الذين ينادون بالويل والثُّـبور
    على الشَّباب السَّلفيِّين، ويتَّهمونهم بالخروج على المذاهب الأربعة، وتجريح
    الأئمَّة، والتَّهوين من أقدارهم العلميَّة! ألا ساءَ ما يقولون وسيقولون! ووالله
    لا يقولون حقَّاً! وما أرادوا بما يقولون إلاَّ العُدوان المُبين!



    والسَّلفيُّون في طريقة أخذِهم الفِقْه
    عن العلماء متَّبعون طريق الرِّواية ولا بدَّ، فهم إذ يأخذون مثلاً بقول صحابيٍّ
    لا يَقفزونَ إليه قفزاً من وراءِ جُدُرٍ؛ أو يَطيرون نحوه طيراناً في الهواء، بل
    يَبدءُون من أقربِ العلماء إليهم في زمانهم، فلا يَدَعونهم إلى مَن بعدهم؛ إلاَّ
    بعد أن يعلموا أنَّ علماء زمانهم ليس في جُعبَتهم ما يستوفون حقَّ السَّائلين،
    وهذا -فيما أظنُّ- من أمحل المحال، فما خلا زمانٌ من أزمان الأمَّة من علماء
    مُجتهدين، يرفعون عن الأمَّةِ آصار الحَرَج إن وقع عليها، ويأخذون بيدها في الأمور
    الحادثة، ويهدونها السَّبيل الواضحة، ويُخرجونها -بما أفضل الله عليهم من علم
    بوحيِه- من العِوَجِ والتَّذبذب إلى الاستقامة والثَّبات.



    ولكنَّهم حين ينتقلون من زمانهم إلى
    الذي قبله لا ينتقلون انتقالاً عشوائيَّاً، فأيُّ علام صادَفهم -وهم يبحثون- أخذوا
    بفُتياه أو بقولـه فـي هذه المسألة أو تلك، بل ينتقلون انتقالاً انتقائيَّاً، إذ
    غايتهم الوقوف على أصـوب الصَّواب، ولا يكون عندهم إلاَّ ممَّن يوثق بعلمه ودينه،
    ولا أحسب أنَّ التَّاريخ قد استأثر بمثل هذا النَّوع من العلماء فصَرَّهم إليه،
    فالتَّاريخ صفحاته مَقروءةٌ بيِّنةٌ - لا تخفى إلاَّ على العاجز- شاهدةٌ بأسماء
    هؤلاء العلماء أنَّ هذه الأمَّة، مهما امتدَّ زمانها، وطالَ بقاؤها على الأرض،
    أُمَّةٌ محروسةٌ ظاهرةٌ بعلمها على الأُمم كافَّة، فيأبى الله سبحانَهُ إلاَّ أن
    يُتمَّ نُوره، ويُظهرَ دينه، ويُعلي شأن كلماته.



    وقد كتب لنا التَّاريخ أسماء أُولئك
    العلماء بمدادٍ من النُّور والذَّهب، وجعلَ من كتبهم ورسائلهم ومؤلَّفاتهم براهين
    ناطقةً -ما ذهب منها وما خفي، وما ظهر منها أو بقي- لأنَّ الدُّنيا ما عَرَفت أكبر
    منهم إحاطة بعلوم الوحي، ولا أصدقَ من أقلامهم في حفظها بأمانةٍ، ولا أبينَ من
    ألسنتهم وأفصحَ في حـلِّ مشكلاتها والدِّفاع عنها، يستوي في ذلك من كان منهم في
    عهد النُّبوَّة، ومَن جـاءَ من بعده، ألم يقل ربُّنا: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
    الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [سورة الحجر: آية 9]؟! ومِنْ حِفْظِ هذا
    الذكر أن يجعل الله في كلِّ قرنٍ علماء حَفَظةً ينفون عنه الرَّيب، ويكشفون عن
    خبايا الظُّنون الطَّاعنة عليه، ويصدُّون عن آياته وأحكامه عاديات الفتن المصنوعة
    على عيون دهاقنة الفلسفة والمنطق وعلم الكلام.



    جمــالَ
    ذي الأرض كانـوا في الحياة وهم بعدَ
    المماتِ جمالُ الكُتبِ والسِّيرِ


    لذا؛ فإنَّ هؤلاء العلماء هم مَن يجب
    البحثُ عنهم، واستقراءُ أقوالهم وفتاواهم حين تعرض عارضةٌ -أو تقع حادثةٌ-
    بالتَّدرُّج ا لواعي المقارن بين الأعلم منهم و بين مَن هو دونه، حتى إذا ما عُلمَ
    الأعلم، قُدِّم، وهكذا...



    وهـذا ليس اختراعاً من السَّلفيِّين
    أنفسهم في عصورهم المتأخِّرة، بل هو شيءٌ من المنهج نفسه، شرعه للأُمَّة -بوحي من
    الله- نبيُّها صلى الله عليه وسلم؛ إذ أنَّه كان يأمر بأن يُقدَّم في إمامة الصَّلاة،
    الأقرأُ لكتاب الله، ثمَّ الأعلم بالسُّـنَّة، ثمَّ الأكبر سنَّـاً، كمـا كان
    أيضاً يُوَلِّي حَفَظَة القرآن في سرايا الحرب قيادتها.



    وما كان هذا إلاَّ لأنَّ الصَّـلاة
    والجهاد، يحتاجـان الفقيه؛ لا لإبداء الرَّأي في أمور تَعرِضُ؛ فهذه يكفي أن يكون
    الحافظ الفقيه واحداً من الجند، إن كانت الحاجة إليه لمثل هذا؛ لكن هناك أموراً
    أخرى غيرها، تحتاج إلى إعمال النَّظر، وبيان حكم الله فيها، والأمير الفقيه العالم
    إذا قضى في أمر؛ فإنَّما يقضي فيه بما علَّمه الله، فهو موقِّعٌ عن الله في قضائه،
    ولا يُرتَضى قضاؤه إلاَّ أن يكون مؤسَّساً على الشرع الإلهي المعروف من الوحي
    الأمين.



    ثمَّ إنَّ تفضيل الحافظ الفقيه على غيره
    بالتَّقديم، هو من التَّكريم الذي شرعه الله، وحريٌّ بالأُمَّة التي يكرِّم الله
    علماءَها، أن تكرِّم نفسها بتكريم هؤلاء العلماء الذين كرَّمهم الله لعلمهم.



    وحين تعرف الأُّمَّة من هم العلماء
    الذين حَظوا عند الله بهذا التَّكريم؛ تعـرف هي كيف تختار العالم الذي تأمنه على
    دينها، وترضاه حَكَماً فيما لها مـن أُمورها، إنَّه العـالم الذي لا يقول قولاً
    ولا يفتي فُتيا إلاَّ والدَّليل يبن يديه من كتاب الله ومن سنَّـة نبيِّـه، يهديه
    إلى قوله ذاك، أو إلى فُتياه هذه.



    وأمور الأمَّة العامَّة التي لا تُحّدُّ
    بحَدٍّ، ولا تقف عند نهاية للحوادث التي تطرأ والأحوال التي تنشـأ؛ أولى أن يُبحث
    لها عن العـالم المُلتزم منهج الكتاب والسُّـنَّة، ومثلُها في ذلك الأمورُ
    الخاصَّة بالفرد الواحد، أو الثُّلَّةُ الصَّغيرة من المُسلمين، فدين الله سبحانه
    بالفُتيا لا يُعرف إلاَّ من مثل هؤلاء العلماء الذين دوَّن قلمُ التَّاريخ
    ذِكْرَهم، وحفظ في صحائفه سِيرَهم.



    والأئمَّةُ الأربعة رحمهم الله جميعاً،
    لشيوع مذاهبهم، ووفرة الكتب التي آُلِّفت فيها، وكثرة العلماء الذين برعوا في
    مسائلها وقضاياها؛ هم أقرب العلماء عند السَّلفيِّين، وأدناهم منهم، وهم أحرص ما
    يكونون على استيفاء حاجتهم العلميَّة من مذاهبهم؛ لا على نحو ما يصنع المتمذهبون
    بمذاهبهم -من المقلِّدة المستسلمين لكلِّ ما قالوا؛ بل لكلِّ ما نُسب إليهم- بل
    لكلِّ ما نُحِلوا- بل على نحو ما يصنع مجتهدو المذاهب من الاتِّباع والنَّظر
    المُقسط والتَّرجيح بالأدلَّة المُعتمدة لدى علماءِ المذاهب.



    والنَّصَفَة والتَّقوى يقضيان أن نقول:
    إنَّ الأئمَّة الأربعة رحمهم الله
    -بمجموع مذاهبهم- وفَّروا للأُمَّة جُلَّ ما تحتاجه في حياتها من مسائل
    العبادات والمُعـاملات والسِّيَر، وغيـر ذلك، ويسَّروا لها تناول هذه المسائل،
    وأودعوها -بأمانةِ العلماءِ الأتقياءِ الجهابذة كُتُباً خلَّدها التَّاريخ،
    وخلَّدت هي التَّاريخ الذي خلَّدها، ثمَّ جاء من بَعدِ رؤوس المذاهب، أصحابٌ
    وتلامذةٌ لهم، ثمَّ علماء استظهروا مذاهبهم، وحفظوا أقوالهم، وغُرموا بها، فكان
    لهؤلاء وأولئك عِلمٌ أُضيفَ إلى علم رؤوس المذاهب -رحمهم الله جميعاً- فصار لكلِّ مذهبٍ من
    المذاهب علمٌ وفيرٌ جدَّاً في كلِّ فرع من فروعه، وفي كلِّ باب من أبوابه.



    فمن أراد أن يجعل علم المذاهب الأربعة هو
    البـاب الـذي ينفذ منه إلى جميع ميراث العلماء فقد أخذ بحظٍّ وافرٍ من العلم
    وأسبابه، يغنيه عن الكثير الكثير، وما عُرف عن المشاهير من العلماء الـذين شُهروا
    أنَّهم رؤوس علماء السَّلف إلاَّ هذا، ومن شاء أن يُشهِدَ نفسه على ما نقول؛
    فلينظر في كتب المتأخِّرين من هؤلاء العلماء وكتب المُتقدِّمين أيضاً؛ فإنَّــه
    لسوف يعلم علم اليقين أنَّهم لم يخالفوا عن هذا البتَّة، ولعلِّي أستطيع القول:
    إنَّ أكثر النَّاس أخذاً عن المذاهب الأربعة وعلمائها هم السَّلفيُّون، وبهذا يصدق
    عليهم أنَّهم مقلِّدون متَّبعون، كما يصدق على الصَّحابة أيضاً هذا الوصف
    بالنِّسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.



    لكنَّ هناك فرقاً بين أخذ الصَّحابة
    وأخذ مَن بَعْدَهم، فالصَّحابة أخذُهُم كان بغير وساطة؛ أمَّا من بعدهم من
    السَّلفيِّين فكان بوساطة.



    وفرقٌ آخـر: أنَّ الصَّحابة لم يكونوا
    بحاجةٍ إلى التَّحري لمعرفة الصَّواب من الخطأ، وكيف يكون ذلك وهم على الصَّدر
    الذي لا يغيض، وعلى منبع الوحي الأمين، تتلقَّفُ أسماعُهم كلَّ ما ينطق به، وما
    ينطق عن الهوى، ويرون بأعينهم حركات حروفه وهي تخرج من بين شفتيه؟!



    أمّـَا من جاءَ من بعد الصَّحابة رضي
    الله عنهم، فقد كانَ تحرِّي الصَّواب جزءاً من مهمَّة التَّلقِّي عن طريق السَّند،
    ومن هنا كان السَّند العـالي والسّند النَّازل، والحِرصُ على السَّند العالي
    إنَّما كان لتقصير سند المرويِّ، فيكون المرويُّ أرفعَ منزلةٌ من مرويِّ السَّند
    النَّازل.



    غير أنَّ زمان السَّند النَّازل قَصُر
    جدَّاً جدَّاً، وذلك حين وجدنا مِـن علماء السُّـنَّة مَن يُثبتون مرويَّاتهم
    بأسانيدها الصَّحيحة ورواتها الأثبات، فصار طالب العلم يجتاز المسافة الزَّمنية
    الطَّويلة الفاصلة بين الرُّواة في لحظات قصيرةٍ جدَّاً، وعيناه لا تكادان تطرفان،
    يستوعب فيها علماً كثيراً لا يسعه إلاَّ أن يدعو لأولئك الرُّواة، وقد أعجزه أن
    يُدرَك شأوُهم أنَّه على الأقل ليس في زمانهم، ومثل هؤلاء العلماء قليلون جدَّاً
    جدَّاً، ولكن توفُّرَ وسائل الطِّباعة والنَّشر يسَّرت شيوعَ هذا العلم، وقصَّرت
    المسافة يبنه وبين طلاَّب العلم.



    ولست بمعرِّج طويلاً لنقد الإجازات العلميَّة
    التي كثرت في العقودِ المتأخِّرة، وصارت تباهياً عند كثير من طلبة العلم، وهم
    يحسبونها قد زادَتهُم علمـاً إلـى علـم، ولست أحسبها كـذلك؛ فهـي قـد آلت إلى ما
    يشبه القـراءة المجرَّدة لكتاب من كتب السُّـنَّة، فلـو أنَّ طالب الإجازة من شيخ
    ما اقتصر على قراءة الكتاب لكانت هي الإجازة نفسها، إذ لا فرق أبداً.



    وحين تسمع هذا المُجاز بإجازته التي
    يباهي بها، أو يحدِّث أو يسرد حديثاً فلربَّما أخطأ في واحد أو أكثر من رجال
    السَّند، أو أخطأ في نصِّ الحديث الذي يسرده!!



    إذاً؛ فحسبنا من الإجـازات سماعها،
    ويمكن للمُجدِّ من طلاَّب العلم أن يكون محدِّثاً بلا إجازة، وبخاصَّةٍ بعد أن
    صارت كتبُ السُّـنَّة ورجالها وعلومها سهلةَ المنال.



    وقد
    عرف أهلُ الحديث ما يُعرف بالوِجادَةِ، وهو الوقوفُ على كتاب مصنِّفٍ ومعرفُتُه
    والرِّوايةُ منه.



    وبطباعة
    كتب السُّـنَّة وتحقيقها والعثور على ما كان في حكم المفقود أو الضَّائع منها،
    وتبادل الخبرات التُّراثية، ويسر الاتصال بين المكتبات ودور العلم والنَّشر
    والطِّباعة: لم تعد الوِجادة أمراً مُرهقاً ولا صعباً.



    بيد أنَّ هذا خلَّف أثراً سلبيَّاً في
    نفوس كثير من أهل العلم؛ إذ قَد أعجزهم أن يكون لهم شأنٌ في السُّـنَّة وعلومها
    -رغم تيسُّر كتُبها وعلومها- في حين أنَّه قد نبغَ كثير من طلابهم وتلامذتهم، أو
    ممَّن هم في مثل طبقتهم، وتفوَّقوا عليهم في دقَّة التَّحقيق والتَّأليف،
    والتَّرجيح والاجتهاد في مفردات المسائل، وصار توجُّه الشباب في كل بلاد الدُّنيا
    إلى هؤلاء الشيوخ والطلاَّب والتَّلاميذ([4]).



    ولا يُنكَرُ أنَّ نفراً من علماء
    السُّـنَّة في عصـرنا، بلغوا في مضمـار السُّـنَّة وعلومها مبلغاً ربَّما عجزَ عنه
    السَّابقون الأوَّلون منهم، والعجب ممَن يرى -من بعض الغلاة الحاملين بغضاءَ منهج
    السَّلف- قصورَ فضلِ الله سبحانه عن إدراك هؤلاء النَّفر أن يكون لهم شأن في
    السُّـنَّة وعلومها، وأحسب -والله- لو كان فضلٌ من فضل الله بأيديهم، وعلموا أنَّه
    مدرك هؤلاء النَّفر -الذين منَّ الله عليهم بهذا الفضل- لحبسوه عنهم وضنُّوا به لو
    علموا أنَّه مدركٌ غيرَهم؛ حتى على أنفسهم!!



    لكنَّ الله سبحانه صاحبُ فضلِه، وخالقُ النَّاس، وفضله الذي لَــهُ











    ([1])
    انظر كتاب «مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسُّـنَّة» للسيوطي رحمه الله.







    ([2])
    متفق عليه.







    ([3])
    انظر هذه الأقوال وغيرها معها في «مقدمة صفة صلاة النبي ×» للشيخ العلاَّمة محمـد
    نـاصر الدين الألبانـي رحمه الله، وعُدْ من بعدهـا إلى الكتب التي أخذ منها.







    ([4])
    ليته لم يكن لهؤلاء ما كان، إذاً لظلَّ فيهم شيءٌ من الأدب. لكنهم، وقد أفضَوْا
    إلى كِبرٍ زائفٍ، فإنَّ خيراً لهم التَّواري.





    avatar
    صلاح محمد حسانين
    المدير العام

    النوع : ذكر
    عدد المشاركات : 6402
    العمر : 54
    تاريخ التسجيل : 28/06/2009
    المهنة :
    البلد :
    الهواية :
    مزاجي النهاردة :

    عام رد: قرأت لك (هى السلفية ))

    مُساهمة من طرف صلاح محمد حسانين في 26/7/2012, 2:34 am

    ولا يفوتنا أن نذكر هنا أيضاً؛ أنَّ
    وفرة النُّصوص من السُّـنَّة قد لا يدركُ بها المجتهد مرتبة مجتهد آخر، ليس لديه
    ما لدى الأوَّل من النُّصوص.



    فالإمام الشَّافعي رحمه الله تعالى كان
    أعلى مرتبة في الاجتهاد من الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ومعلوم أنَّ الإمام أحمد
    كان أوفر وأكثر حفظاً للسُّـنَّة من الإمام الشَّافعي رحمهما الله تعالى.



    ولكن نزول درجة الإمام أحمد عن درجة
    الشافعي -رغم أنَّ الأوَّل أكثر حفظاً من الثَّاني- ونزول درجة الإمام أبي حنيفة
    -لغياب نصوص السُّـنَّة عنه لعدم تدوينها في زمانه- عَن درجة الإمام مالك مثلاً؛
    ما كان ليَغُضَّ من قَدر أحمد ولا من قدر أبي حنيفة، بل يكون كلٌّ منهما مُطَّرَحَ
    ثناءِ من ملأ ا لأرض علماً -وهو الإمام الشافعي- حيث يقول في أبي حنيفة رحمهما
    الله: «النَّاس عيالٌ على فقه أبي حنيفة».



    ولا يرى بأساً أن يحفظ عنه التَّاريخ
    كلمةً كان يرسلُ بها إلى أحمد رحمه الله: «أنتُم أعلم بالحديث والرِّجال، فإذا كان
    الحديث الصَّحيح فأعلموني به أيَّ شيءٍ يكون؛ كوفيَّاً أو شاميَّاً، حتى أذهب إليه
    إذا كان صحيحاً»([1]).



    هذا -وربِّ الأرض والسَّماء- هو العلم
    الذي يُعرف به لحامليه قدرُهم، ويَعرف حاملوه به أقدارَهم، وحُقَّ لكلِّ واحدٍ
    منهم أن يقول في نفسه لنفسه: ما رأيت مثل نفسي!! من باب الاعتراف والإقرار بنعمة
    الله عليه، لو كان يقول!



    فهل يَضيرُ هؤلاء الجبال أن يقال فيهم
    بَعد القرون الطِّوال التي ظلَّت تَفترُّ ثغورُها بكلمـاتهم العِذاب: إنَّ فلاناً
    أخطأ في كذا، أو لم يصب في كذا، أو لو أنَّه قال كذا لكان أحسن وأفضل؟



    هؤلاء ليسوا كمن أتى من بعدهم؛ ممَّن
    ألفَوْا أنفسهم أُسارى التَّقليد الأعمـى، فإنَّ قول أحد من النَّاس من بعدهم في
    واحدٍ منهم: أخطأ في كذا، كقوله: أصاب في كذا. فلا يُفرحـه ثناءٌ، ولا يُغضِبه
    تخطئةٌ، إنَّهم جبالٌ، جهابذةٌ، عقولٌ ضخمة، أتقياءُ، أفذاذٌ، ورثوا عن الصَّحابة
    كلَّ فضائل النَّفس، وعلموا منهم أنَّ: نصف العلم لا أدري.



    وإذ ذلك كذلك؛ فلا جَرَم أن يَتركوا من
    بعدهم للأُمَّة كلماتٍ برَّؤوا فيها أنفسهم من تَبِعَةِ الخطأ الذي كان باجتهادهم،
    فما حملـوا فيه وزراً، ولا أصابوا منه ذَنباً، بل إنَّهم أحسَنوا فيه صُنعاً،
    ونالوا بِهِ أجراً: «إذا اجتهدَ الحاكم فأصَاب كانَ لهُ أجران، وإذا اجتَهَدَ
    فأخطأ كانَ له أجر»([2]).



    فهذا أبو حنيفة رحمه الله يقول: «إذا
    صَحَّ الحديث فهو مذهبي»، ويقول أيضاً: «لا يحِلُّ لأحدٍ أن يأخذَ بقولنا ما لم
    يعلم من أين أخذناه»، وفي رواية: «حرامٌ على من لا يعرف دليلي أن يفتي بكلامي،
    فإنَّنا بشرٌ نقول القول اليوم ونرجع عنه غداً».



    وهذا الإمام مالك رحمه الله يقول:
    «إنَّما أنا بشرٌ أُخطىءُ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكلُّ ما وافق الكتاب
    والسُّـنَّة فخذوه، وكلُّ ما لم يوافق الكتاب والسُّـنَّة فاتركوه»، وقال: «ليس
    أحدٌ بعد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلاَّ ويُؤخذ من قوله ويترك؛ خلا النَّبيِّ
    صلى الله عليه وسلم».



    ومثل هذا يقول الإمام الشافعيُّ رحمه
    الله: «ما من أحدٍ إلاَّ وتذهب عليه سنَّةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتَعزُبُ
    عنه، فمهما قلت من قول، أو أصَّلْتُ من أصلٍ فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
    خلافُ ما قلت؛ فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قولي»، وقال:
    «أجمع المسلمون على أنَّ من استبان له سنَّةٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لم
    يحلَّ له أن يدعها لقول أحدٍ»، وما أجمَلَ ما قال -وكلُّ ما قال جميلٌ وحسنٌ-:
    «إذا وجدتُم في كتابي خلافَ سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقولوا بسنَّة
    رسول الله صلى الله عليه وسلم ودَعوا ما قلت»، وفي رواية: «فاتَّبعوها، ولا
    تلتفتوا إلى قول أحد»، وقال: «كلُّ حديثٍ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فهو
    قولي وإن لم تسمعوه منِّي».



    وهذا الإمام أحمد رحمه الله يقول: «رأي
    الأوزاعي، ورأي مالك، ورأي أبي حنيفة؛ كلُّه رأيٌن وهو عندي سواءٌ، وإنَّما
    الحجَّةُ في الآثار».



    وقالك «لا تقلِّدني، ولا تقلِّد مالكاً،
    ولا الشَّافعي، ولا الأوزاعيَّ، ولا الثَّوري، وخُذ من حيثُ أخَذُوا»([3]).



    رحمهم الله وجزاهم عن الإسلام
    والمُسلمين خير ما يَجزي عباده الصَّالحين، فقد -والله- عَظُمت أقدارهم بهذه
    الكلمات المُبينات، عند الله وعند النَّـاس، ولو لم يتركوا من ورائهم علماً
    إلاَّها لكفـى، فكيف وقد أمْلَوا على التَّاريخ صحائفَ من نور الكتاب والآثـار،
    ستظلُّ موفورة بذكرهم الماجد، تدفع عنهم في صدور الَّذين تواطؤوا على أن ينسبوا
    لهم أقوالاً وآراءً في الفقه، لو أنهم بعثوا من قبورهم، وقرؤوها أو سمعوها؛ ما
    زادهم ذلك إلاَّ إيماناً بأنفسهم، وتصديقاً بما خلَّفوا من ورائهم من تلك الكلمات
    الباهرة، التي تنفي بنورها، وصِدقها، كلَّ ما نُسبَ إليهم من بعدهم، وتظلُّ
    قناديلَ مسرجةً في دُنيا النَّاس، تحدِّث النَّاس بِنورها المنبعث منها؛ أنَّهم
    سيظلُّون في حاجةٍ دائمةٍ إلى نورها.



    ولا أحسبُ أحداً في الأُمَّة يرى أنَّ
    اتِّباعَ هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى -فيما صحَّت نسبتُه إليهم، وصحَّ لهم
    دليلهُ- موافقاً للوحي بدعةٌ وخطأ؛ فإنَّ اتِّباعهم فيه هو -في الحقيقَةِ-
    اتِّباعٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، واتِّباعهم فيهِ على مثل ما ذكرنا يصحُّ
    القول فيه: «كلُّهم من رسول الله ملتمس»!!



    أمَّا إن انتفى مَمَّا نُسبَ إليهم ما
    ذكرناه؛ فهذا القول باطل جدَّاً، وسيِّءٌ جداً، وليس من الأدب العقلي ولا الأدب
    الشرعي ذكرُه؛ لأنَّه شيءٌ من الكذب ولا بدَّ، إذ كيف يكون مُلتَمَساً من الرَّسول
    صلى الله عليه وسلم الشيءُ وضدُّه من الأحكام؟! وهو تناقضٌ لا في كلام البشرن بل
    في وحي ربِّ البشر؛ سبحانه وتعالى عن ذلك عُلُوَّاً كبيراً.



    فهل يُعابُ من يتحرَّون الحقَّ في أقوال
    الأئمَّة رحمهم الله تعالى على نحو ما قالوا وحدَّثوا وأمروا؛ لكيون مُتَخَـيِّراً
    منه ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحقيقة والواقع؟! لأنَّهم -رحمهم
    الله- في أقوالهم وفتاواهم إنَّما هم موقِّعون عَن ربِّ العالمين، وهل يكون
    مجترحاً خطيئةً أو كاسباً إثماً من يرى من أقوالهم رحمه الله -حسب ما قالوا- خطأ
    فيدعه، ثمَّ يعرف الصَّواب فيأخذه؟!



    إنَّ اجتراح الخطيئةِ -في الحقيقة
    والواقع- وكسبَ الإثم، إنَّما هو في ترك الصَّواب إن عُرف؛ وفي فعل الخطأ إن عُلم،
    وهذا هو التَّقليد الأعمى الذي يُكِبُّ المقلِّد على وجهِه، أو يُلقي المُتِّبع
    على قفاه، وهذا هو ما عليه عامَّة المُتَمَذهبينَ، ثمَّ هم يصرُّون على أنَّ كـلَّ
    مذاهبهم ليـس فيها إلاَّ الحقُّ، وأنَّ هذا الحقَّ كله -على ما بين المذاهب في
    كثير من المسائل من تناقض- مؤيَّدٌ بالأدلَّة الشرعيَّة، فكيف لا يقال إذاً:
    «وكلُّهم من رسول الله ملتمس»؟! ثمَّ كيف يُعذَلُ، أو يُخاصَم، أو يُقاطع، أو
    يُعادى، أو يُنكَر عليه، أو حتى يُشتَم، أو حتى يُتَّهم بأنَّـه خامسيٌّ، أو
    رافضيٌّ، أو خارجيٌّ، وأخيراً بأنَّه وهَّـابيٌّ!!



    وهذه (الأخـيرة)!! أفظَعُها وأخبثُها
    وشرُّها عند أولئك العادين الظَّلمة!! إي والله العظيم -من يفرِّق بين الصَّواب
    وبين الخطأ في المذاهب، فيقبل الصَّواب ويدع الخطأ، يقبل الصَّواب على أنَّه هو ما
    أمر الله به، وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، ويدع الخطأ على أنَّه ما لم يأمر
    الله به سبحانه، ولا أمرَ به رسوله صلى الله عليه وسلم.



    فأيُّ الفريقين أهدى سبيلاً وأقوم
    قيلاً؟ الذي يسلِّم للمذاهب -أي بكلِّ ما فيها- تسليماً، ويرى الخطأ فيها
    كالصَّواب والصَّواب كالخطأ؟ أم الـذي يَميز ما بينَ الخطأ وبين الصَّواب امتثالاً
    للأئمَّة وكلماتهم رحمهم الله جميعاً، وتأدُّباً معهم، وطاعةً لهم، وإبراءً
    لذمَّتهم، واحتراماً لكلماتهم، من غير تجريحٍ ولا تقبيحٍ ولا سخيمةٍ في صدرٍ، ولا
    مذمَّةٍ على لسانٍ، ولا نُفرةٍ في قلبٍ، ولا مكرٍ سيِّءٍ في جَنانٍ؟! إنَّهما لا
    يستَويان مثلاً!!



    إنَّ مَن يعيب على من يسلك هذا المسلك
    مع أئمَّة المذاهب؛ إنَّما هو يعيبُ على هؤلاء الأئمَّة أنفسهم، ثمَّ يَمضي
    بإعابتـه هذه حتى يبلغ الصَّحابة رضوان الله عليهم، ثمَّ هو يُخشى عليه أن يكـون
    عائبـاً على الوحي -عياذاً بالله- والمُنزَّل عليه الوحي، وكان ممَّا نزل به الوحي
    عليه: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله
    وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [سورة آل عمران: آية 31]، ومنه: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ
    فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ} [سورة لانساء: آية 59].



    فالأمر -بالإنكار على المُفرِّقين بينَ
    الصَّواب وبين الخطأ في المذاهب- ليس هيِّناً؛ إنَّه شرٌّ على العقيدة وبيلٌ،
    وخطرٌ على الدِّين عظيمٌ جليلٌ، فإذا كان ولا بدَّ من أمر لا يَبين عَن رأي صاحبه
    بكتمانه؛ فَلْيَسَعْ أولئك المُنكرين الصَّمتُ، وهو خيرٌ، وقليلٌ فاعله.



    إنَّ الذين ينظرون في فقه المذاهب،
    فيأخذون الصَّواب ويدعون الخطأ -حسب القواعد الرَّصينة التي خلَّفها الأئمة
    المجتهدون من بعدهم لا يُؤثِرونَ فِقْهَ أحدٍ على أحدٍ منهم، لنسبةٍ عَصبيَّةٍ، إو
    إيثارٍ بهوى، أو انقيادٍ أعمى- هو الفقهُ السَّويُّ الذي يُقيمُ المُسلم على
    بصيرةٍ من أمره، وينجيه من التَّخبُّط المُضني الذي لا يُسلمه في النِّهاية إلا
    إلى الحَيْرَة.



    إذاً؛ فالاتِّباع الحق، والتَّقليد
    السَّليم؛ ليس هو أن يُسلم طالب العلم عقله إلى أقوال المذاهب وآراء أصحابها
    -الذين رأينا من أقوالهم وكلماتهم في التَّحذير من التَّسليم المُطلق لآرائهم
    وأقوالهم- بل هو النَّظر المُميِّز الذي يُفرَّق فيه بين الصَّواب وبين الخطأ.



    وهـذا كما أسلفنا من قبل، إن كان طالب
    العلم لديه من القدرة ما يمكِّنه من النَّظر والتَّمييز، أمَّا إن كان ممَّن ليس
    لديهم القُدرة؛ فإنَّه يصبح من العبثِ أن يقال لمثله: انظُر وميِّز! فهل لفاقد
    الشَّيءِ أن يُعطيه؟! وكيف؟!



    وكثيرون هم الذين يرمون السَّلفيِّين
    بهذا، ويصرِّحون بأعلى أصواتهم بها، ويبادرون بالويل والثُّبور عليهم، ويحسبون
    أنَّهم على شيء من حقٍّ أو بصيرةٍ، ولا والله ما هم على شيءٍ من ذلك أبداً، لكنْ
    ساءَهم أن يروا ملايين الشَّـباب في العالم يُقبلـون على كتب السَّلف وعلماء منهاج
    السَّلف، فيأخذون بأقوالهم وفتاواهم؛ لغلبة ظنِّهم -أو اعتقادهم- أنَّهم لا يدعون
    الدَّليل في أيَّـة مسألة علميَّةٍ أو أيِّ رأيٍ فقهي، فماذا في هذا؟



    هذا هو العيب الذي سوَّد وجوهَ الشَّباب
    السَّلفيِّين -وهي بيضاءُ ناصعةٌ- في نظر هؤلاء الذين ينادون بالويل والثُّـبور
    على الشَّباب السَّلفيِّين، ويتَّهمونهم بالخروج على المذاهب الأربعة، وتجريح
    الأئمَّة، والتَّهوين من أقدارهم العلميَّة! ألا ساءَ ما يقولون وسيقولون! ووالله
    لا يقولون حقَّاً! وما أرادوا بما يقولون إلاَّ العُدوان المُبين!



    والسَّلفيُّون في طريقة أخذِهم الفِقْه
    عن العلماء متَّبعون طريق الرِّواية ولا بدَّ، فهم إذ يأخذون مثلاً بقول صحابيٍّ
    لا يَقفزونَ إليه قفزاً من وراءِ جُدُرٍ؛ أو يَطيرون نحوه طيراناً في الهواء، بل
    يَبدءُون من أقربِ العلماء إليهم في زمانهم، فلا يَدَعونهم إلى مَن بعدهم؛ إلاَّ
    بعد أن يعلموا أنَّ علماء زمانهم ليس في جُعبَتهم ما يستوفون حقَّ السَّائلين،
    وهذا -فيما أظنُّ- من أمحل المحال، فما خلا زمانٌ من أزمان الأمَّة من علماء
    مُجتهدين، يرفعون عن الأمَّةِ آصار الحَرَج إن وقع عليها، ويأخذون بيدها في الأمور
    الحادثة، ويهدونها السَّبيل الواضحة، ويُخرجونها -بما أفضل الله عليهم من علم
    بوحيِه- من العِوَجِ والتَّذبذب إلى الاستقامة والثَّبات.



    ولكنَّهم حين ينتقلون من زمانهم إلى
    الذي قبله لا ينتقلون انتقالاً عشوائيَّاً، فأيُّ علام صادَفهم -وهم يبحثون- أخذوا
    بفُتياه أو بقولـه فـي هذه المسألة أو تلك، بل ينتقلون انتقالاً انتقائيَّاً، إذ
    غايتهم الوقوف على أصـوب الصَّواب، ولا يكون عندهم إلاَّ ممَّن يوثق بعلمه ودينه،
    ولا أحسب أنَّ التَّاريخ قد استأثر بمثل هذا النَّوع من العلماء فصَرَّهم إليه،
    فالتَّاريخ صفحاته مَقروءةٌ بيِّنةٌ - لا تخفى إلاَّ على العاجز- شاهدةٌ بأسماء
    هؤلاء العلماء أنَّ هذه الأمَّة، مهما امتدَّ زمانها، وطالَ بقاؤها على الأرض،
    أُمَّةٌ محروسةٌ ظاهرةٌ بعلمها على الأُمم كافَّة، فيأبى الله سبحانَهُ إلاَّ أن
    يُتمَّ نُوره، ويُظهرَ دينه، ويُعلي شأن كلماته.



    وقد كتب لنا التَّاريخ أسماء أُولئك
    العلماء بمدادٍ من النُّور والذَّهب، وجعلَ من كتبهم ورسائلهم ومؤلَّفاتهم براهين
    ناطقةً -ما ذهب منها وما خفي، وما ظهر منها أو بقي- لأنَّ الدُّنيا ما عَرَفت أكبر
    منهم إحاطة بعلوم الوحي، ولا أصدقَ من أقلامهم في حفظها بأمانةٍ، ولا أبينَ من
    ألسنتهم وأفصحَ في حـلِّ مشكلاتها والدِّفاع عنها، يستوي في ذلك من كان منهم في
    عهد النُّبوَّة، ومَن جـاءَ من بعده، ألم يقل ربُّنا: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
    الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [سورة الحجر: آية 9]؟! ومِنْ حِفْظِ هذا
    الذكر أن يجعل الله في كلِّ قرنٍ علماء حَفَظةً ينفون عنه الرَّيب، ويكشفون عن
    خبايا الظُّنون الطَّاعنة عليه، ويصدُّون عن آياته وأحكامه عاديات الفتن المصنوعة
    على عيون دهاقنة الفلسفة والمنطق وعلم الكلام.



    جمــالَ
    ذي الأرض كانـوا في الحياة وهم بعدَ
    المماتِ جمالُ الكُتبِ والسِّيرِ


    لذا؛ فإنَّ هؤلاء العلماء هم مَن يجب
    البحثُ عنهم، واستقراءُ أقوالهم وفتاواهم حين تعرض عارضةٌ -أو تقع حادثةٌ-
    بالتَّدرُّج ا لواعي المقارن بين الأعلم منهم و بين مَن هو دونه، حتى إذا ما عُلمَ
    الأعلم، قُدِّم، وهكذا...



    وهـذا ليس اختراعاً من السَّلفيِّين
    أنفسهم في عصورهم المتأخِّرة، بل هو شيءٌ من المنهج نفسه، شرعه للأُمَّة -بوحي من
    الله- نبيُّها صلى الله عليه وسلم؛ إذ أنَّه كان يأمر بأن يُقدَّم في إمامة الصَّلاة،
    الأقرأُ لكتاب الله، ثمَّ الأعلم بالسُّـنَّة، ثمَّ الأكبر سنَّـاً، كمـا كان
    أيضاً يُوَلِّي حَفَظَة القرآن في سرايا الحرب قيادتها.



    وما كان هذا إلاَّ لأنَّ الصَّـلاة
    والجهاد، يحتاجـان الفقيه؛ لا لإبداء الرَّأي في أمور تَعرِضُ؛ فهذه يكفي أن يكون
    الحافظ الفقيه واحداً من الجند، إن كانت الحاجة إليه لمثل هذا؛ لكن هناك أموراً
    أخرى غيرها، تحتاج إلى إعمال النَّظر، وبيان حكم الله فيها، والأمير الفقيه العالم
    إذا قضى في أمر؛ فإنَّما يقضي فيه بما علَّمه الله، فهو موقِّعٌ عن الله في قضائه،
    ولا يُرتَضى قضاؤه إلاَّ أن يكون مؤسَّساً على الشرع الإلهي المعروف من الوحي
    الأمين.



    ثمَّ إنَّ تفضيل الحافظ الفقيه على غيره
    بالتَّقديم، هو من التَّكريم الذي شرعه الله، وحريٌّ بالأُمَّة التي يكرِّم الله
    علماءَها، أن تكرِّم نفسها بتكريم هؤلاء العلماء الذين كرَّمهم الله لعلمهم.



    وحين تعرف الأُّمَّة من هم العلماء
    الذين حَظوا عند الله بهذا التَّكريم؛ تعـرف هي كيف تختار العالم الذي تأمنه على
    دينها، وترضاه حَكَماً فيما لها مـن أُمورها، إنَّه العـالم الذي لا يقول قولاً
    ولا يفتي فُتيا إلاَّ والدَّليل يبن يديه من كتاب الله ومن سنَّـة نبيِّـه، يهديه
    إلى قوله ذاك، أو إلى فُتياه هذه.



    وأمور الأمَّة العامَّة التي لا تُحّدُّ
    بحَدٍّ، ولا تقف عند نهاية للحوادث التي تطرأ والأحوال التي تنشـأ؛ أولى أن يُبحث
    لها عن العـالم المُلتزم منهج الكتاب والسُّـنَّة، ومثلُها في ذلك الأمورُ
    الخاصَّة بالفرد الواحد، أو الثُّلَّةُ الصَّغيرة من المُسلمين، فدين الله سبحانه
    بالفُتيا لا يُعرف إلاَّ من مثل هؤلاء العلماء الذين دوَّن قلمُ التَّاريخ
    ذِكْرَهم، وحفظ في صحائفه سِيرَهم.



    والأئمَّةُ الأربعة رحمهم الله جميعاً،
    لشيوع مذاهبهم، ووفرة الكتب التي آُلِّفت فيها، وكثرة العلماء الذين برعوا في
    مسائلها وقضاياها؛ هم أقرب العلماء عند السَّلفيِّين، وأدناهم منهم، وهم أحرص ما
    يكونون على استيفاء حاجتهم العلميَّة من مذاهبهم؛ لا على نحو ما يصنع المتمذهبون
    بمذاهبهم -من المقلِّدة المستسلمين لكلِّ ما قالوا؛ بل لكلِّ ما نُسب إليهم- بل
    لكلِّ ما نُحِلوا- بل على نحو ما يصنع مجتهدو المذاهب من الاتِّباع والنَّظر
    المُقسط والتَّرجيح بالأدلَّة المُعتمدة لدى علماءِ المذاهب.



    والنَّصَفَة والتَّقوى يقضيان أن نقول:
    إنَّ الأئمَّة الأربعة رحمهم الله
    -بمجموع مذاهبهم- وفَّروا للأُمَّة جُلَّ ما تحتاجه في حياتها من مسائل
    العبادات والمُعـاملات والسِّيَر، وغيـر ذلك، ويسَّروا لها تناول هذه المسائل،
    وأودعوها -بأمانةِ العلماءِ الأتقياءِ الجهابذة كُتُباً خلَّدها التَّاريخ،
    وخلَّدت هي التَّاريخ الذي خلَّدها، ثمَّ جاء من بَعدِ رؤوس المذاهب، أصحابٌ
    وتلامذةٌ لهم، ثمَّ علماء استظهروا مذاهبهم، وحفظوا أقوالهم، وغُرموا بها، فكان
    لهؤلاء وأولئك عِلمٌ أُضيفَ إلى علم رؤوس المذاهب -رحمهم الله جميعاً- فصار لكلِّ مذهبٍ من
    المذاهب علمٌ وفيرٌ جدَّاً في كلِّ فرع من فروعه، وفي كلِّ باب من أبوابه.



    فمن أراد أن يجعل علم المذاهب الأربعة هو
    البـاب الـذي ينفذ منه إلى جميع ميراث العلماء فقد أخذ بحظٍّ وافرٍ من العلم
    وأسبابه، يغنيه عن الكثير الكثير، وما عُرف عن المشاهير من العلماء الـذين شُهروا
    أنَّهم رؤوس علماء السَّلف إلاَّ هذا، ومن شاء أن يُشهِدَ نفسه على ما نقول؛
    فلينظر في كتب المتأخِّرين من هؤلاء العلماء وكتب المُتقدِّمين أيضاً؛ فإنَّــه
    لسوف يعلم علم اليقين أنَّهم لم يخالفوا عن هذا البتَّة، ولعلِّي أستطيع القول:
    إنَّ أكثر النَّاس أخذاً عن المذاهب الأربعة وعلمائها هم السَّلفيُّون، وبهذا يصدق
    عليهم أنَّهم مقلِّدون متَّبعون، كما يصدق على الصَّحابة أيضاً هذا الوصف
    بالنِّسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.



    لكنَّ هناك فرقاً بين أخذ الصَّحابة
    وأخذ مَن بَعْدَهم، فالصَّحابة أخذُهُم كان بغير وساطة؛ أمَّا من بعدهم من
    السَّلفيِّين فكان بوساطة.



    وفرقٌ آخـر: أنَّ الصَّحابة لم يكونوا
    بحاجةٍ إلى التَّحري لمعرفة الصَّواب من الخطأ، وكيف يكون ذلك وهم على الصَّدر
    الذي لا يغيض، وعلى منبع الوحي الأمين، تتلقَّفُ أسماعُهم كلَّ ما ينطق به، وما
    ينطق عن الهوى، ويرون بأعينهم حركات حروفه وهي تخرج من بين شفتيه؟!



    أمّـَا من جاءَ من بعد الصَّحابة رضي
    الله عنهم، فقد كانَ تحرِّي الصَّواب جزءاً من مهمَّة التَّلقِّي عن طريق السَّند،
    ومن هنا كان السَّند العـالي والسّند النَّازل، والحِرصُ على السَّند العالي
    إنَّما كان لتقصير سند المرويِّ، فيكون المرويُّ أرفعَ منزلةٌ من مرويِّ السَّند
    النَّازل.



    غير أنَّ زمان السَّند النَّازل قَصُر
    جدَّاً جدَّاً، وذلك حين وجدنا مِـن علماء السُّـنَّة مَن يُثبتون مرويَّاتهم
    بأسانيدها الصَّحيحة ورواتها الأثبات، فصار طالب العلم يجتاز المسافة الزَّمنية
    الطَّويلة الفاصلة بين الرُّواة في لحظات قصيرةٍ جدَّاً، وعيناه لا تكادان تطرفان،
    يستوعب فيها علماً كثيراً لا يسعه إلاَّ أن يدعو لأولئك الرُّواة، وقد أعجزه أن
    يُدرَك شأوُهم أنَّه على الأقل ليس في زمانهم، ومثل هؤلاء العلماء قليلون جدَّاً
    جدَّاً، ولكن توفُّرَ وسائل الطِّباعة والنَّشر يسَّرت شيوعَ هذا العلم، وقصَّرت
    المسافة يبنه وبين طلاَّب العلم.



    ولست بمعرِّج طويلاً لنقد الإجازات العلميَّة
    التي كثرت في العقودِ المتأخِّرة، وصارت تباهياً عند كثير من طلبة العلم، وهم
    يحسبونها قد زادَتهُم علمـاً إلـى علـم، ولست أحسبها كـذلك؛ فهـي قـد آلت إلى ما
    يشبه القـراءة المجرَّدة لكتاب من كتب السُّـنَّة، فلـو أنَّ طالب الإجازة من شيخ
    ما اقتصر على قراءة الكتاب لكانت هي الإجازة نفسها، إذ لا فرق أبداً.



    وحين تسمع هذا المُجاز بإجازته التي
    يباهي بها، أو يحدِّث أو يسرد حديثاً فلربَّما أخطأ في واحد أو أكثر من رجال
    السَّند، أو أخطأ في نصِّ الحديث الذي يسرده!!



    إذاً؛ فحسبنا من الإجـازات سماعها،
    ويمكن للمُجدِّ من طلاَّب العلم أن يكون محدِّثاً بلا إجازة، وبخاصَّةٍ بعد أن
    صارت كتبُ السُّـنَّة ورجالها وعلومها سهلةَ المنال.



    وقد
    عرف أهلُ الحديث ما يُعرف بالوِجادَةِ، وهو الوقوفُ على كتاب مصنِّفٍ ومعرفُتُه
    والرِّوايةُ منه.



    وبطباعة
    كتب السُّـنَّة وتحقيقها والعثور على ما كان في حكم المفقود أو الضَّائع منها،
    وتبادل الخبرات التُّراثية، ويسر الاتصال بين المكتبات ودور العلم والنَّشر
    والطِّباعة: لم تعد الوِجادة أمراً مُرهقاً ولا صعباً.



    بيد أنَّ هذا خلَّف أثراً سلبيَّاً في
    نفوس كثير من أهل العلم؛ إذ قَد أعجزهم أن يكون لهم شأنٌ في السُّـنَّة وعلومها
    -رغم تيسُّر كتُبها وعلومها- في حين أنَّه قد نبغَ كثير من طلابهم وتلامذتهم، أو
    ممَّن هم في مثل طبقتهم، وتفوَّقوا عليهم في دقَّة التَّحقيق والتَّأليف،
    والتَّرجيح والاجتهاد في مفردات المسائل، وصار توجُّه الشباب في كل بلاد الدُّنيا
    إلى هؤلاء الشيوخ والطلاَّب والتَّلاميذ([4]).



    ولا يُنكَرُ أنَّ نفراً من علماء
    السُّـنَّة في عصـرنا، بلغوا في مضمـار السُّـنَّة وعلومها مبلغاً ربَّما عجزَ عنه
    السَّابقون الأوَّلون منهم، والعجب ممَن يرى -من بعض الغلاة الحاملين بغضاءَ منهج
    السَّلف- قصورَ فضلِ الله سبحانه عن إدراك هؤلاء النَّفر أن يكون لهم شأن في
    السُّـنَّة وعلومها، وأحسب -والله- لو كان فضلٌ من فضل الله بأيديهم، وعلموا أنَّه
    مدرك هؤلاء النَّفر -الذين منَّ الله عليهم بهذا الفضل- لحبسوه عنهم وضنُّوا به لو
    علموا أنَّه مدركٌ غيرَهم؛ حتى على أنفسهم!!



    لكنَّ الله سبحانه صاحبُ فضلِه، وخالقُ النَّاس، وفضله الذي لَــهُ











    ([1])
    انظر كتاب «مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسُّـنَّة» للسيوطي رحمه الله.







    ([2])
    متفق عليه.







    ([3])
    انظر هذه الأقوال وغيرها معها في «مقدمة صفة صلاة النبي ×» للشيخ العلاَّمة محمـد
    نـاصر الدين الألبانـي رحمه الله، وعُدْ من بعدهـا إلى الكتب التي أخذ منها.







    ([4])
    ليته لم يكن لهؤلاء ما كان، إذاً لظلَّ فيهم شيءٌ من الأدب. لكنهم، وقد أفضَوْا
    إلى كِبرٍ زائفٍ، فإنَّ خيراً لهم التَّواري.





    avatar
    صلاح محمد حسانين
    المدير العام

    النوع : ذكر
    عدد المشاركات : 6402
    العمر : 54
    تاريخ التسجيل : 28/06/2009
    المهنة :
    البلد :
    الهواية :
    مزاجي النهاردة :

    عام رد: قرأت لك (هى السلفية ))

    مُساهمة من طرف صلاح محمد حسانين في 26/7/2012, 2:47 am

    يختصُّ به من يشاءُ من النَّاس الذين
    خلقهم.



    وهناك نفرٌ من هؤلاء النَّفر، أصابهم
    شيءٌ من فضل الله من السُّـنَّة، لكنهم منعوا أنفسهم من الخروج من طوق المذهبيَّة،
    وعاجوا بما أفضل عليهم منها على المذهبيَّة؛ إمَّا بمحاولةِ تطويع نصوص السُّـنَّة
    لمذهبيَّتهم، وإمَّا بالفصل ما بينها وبين المذهبيَّة؛ فأبقوا أنفسهم في عناق وثيق
    مع مذهبيَّتهم، وجعلوا من السُّـنَّة -أي: الاشتغال بها- مهنةً يتكسَّبون منها؛
    فأفادوا غيرَهم ممَّن وثق بمهنة علمهم، وحَرموا هم أنفسهم من الإفادة منها، إلاَّ
    ما عادت عليهم من مكاسب ماليَّة ودنيويَّة! وكانت حسبهم!!



    ومن هذا النَّفر الأخير -ممَّن أصاب
    حظَّاً من السُّـنَّة وعلومها- من أوغل -بحكم نشأته وبيئته- في الانحرافـات
    الفكريَّة والعقديَّة؛ حين شردت به نشأته عن الحق الذي منَّ الله عليه بمعرفته،
    وآثر عليه أن يبقى على ما نشأ عليه.



    وليته وقف عند ما آثر أن يبقى مُقيمـاً
    عليه؛ أخذ يعدو عَـدْوَ الكواسر في أعراض علماء السَّلف الأوَّلين السّابقين منهم
    والمتأخِّرين، ويرمي أُهُبَهُم الطَّاهرة، ويُمزِّق أبشارهم النَّقيَّة، ويسلقهم
    بلسانٍ برئت منه التَّقوى، فأضلَّ بعد أن ضلَّ، واستاق أمامه أُغيلمةً صغاراً،
    وصبيةً جُهَّالاً، ينزع عنهم في كلِّ يوم جزءاً من الفطرة التي فطرهم الله عليها،
    حتى إذا ما نزعها جميعها قال لهم وابتسامةٌ صفراءَ تعلو شفتيه: {إِنِّي بَرِيءٌ
    مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ الله وَالله شَدِيدُ
    الْعِقَابِ} [سورة الأنفال: آية 48].



    وقد يسأل -في هذا المقام- سائلٌ: لماذا
    يُعنى السَّلفيُّون بكتب ابن تَيميَّة رحمه الله، وكتب تلميذه ابن القيِّم رحمه
    الله أكثر من عنايتهم بكتب غيرهما؟



    لا أُريد أن أُطيل في الجواب عن هذا
    السؤال، وحسبي أن أقول فيه:



    أوَّلاً: لأنَّ كتبهما أوعبت أبوابَ
    الإسلام كلَّها، واستوفت ما فات غيرهما من علماء الإسلام في عصوره كلِّها.



    ثانياً: مازَهُما الله سبحانه بخُلق
    الإنصاف والعدل، فلا ينتقصان أحداً؛ حتى ولو كان عدوَّاً غالياً لعقيدته
    الصَّحيحة؛ إلاَّ أن يكون حكاية منهما عن نفسه، أو عن غيره عنه.



    ثالثاً: سهولة التَّعبير، واستحكام
    الجُمَل والفقرات ووضوح المعاني، واستقصاؤها، والتَّدرج العقلي المقنع.



    رابعاً: معرفة مداخل الخصومة -سواءٌ
    أكانوا مسلمين أم كانوا غير مسلمين- التي يُظنُّ أنَّها نائلةٌ من الإسلام وعقيدته
    -وهي ليست كذلك- فكانت ردودهما عليهم ردوداً شافيةً وافيةً بالغةً الغايَةَ في
    الدِّقَّـة والصَّواب والوضوح.



    خامساً: مكَّنوا للمعارف والعلوم
    الإسلاميَّة بعامَّة من العقول بردِّ الأمر فيها إلى يُسر القرون الأولى، وسلامة
    فطرتها؛ وبخاصَّةٍ في العقيدة التي شابتها شوائب العلوم العقليَّة الوافدة إلينا؛
    ممَّا أيقـظ في نفوس طلاب العلم والعلماء حسَّاً علميَّاً جديداً أوفى بهم على
    أبـوابِ نهضةٍ دينيَّةٍ مكَّنتهم من إعادة ثوبها القشيب إليها.



    سادساً: تحررُّهما من قيود المذهبيَّة،
    وانتصابُهما -بما آتاهما الله من علـمٍ واسعٍ- لكل من حاول الغضَّ من هـذا،
    والرَّدُّ عليه ردَّاً معجباً لم يُعهَد من قبل، ومن استقرأ المسائل التي اجتهدا
    فيها، وخرجا بها عن المذهب الذي نَشَـآ عليه؛ يعلم ذلك يقيناً، ويعلم أنَّ الله
    سبحانه ما يَسَّر شيئاً لهذه الأُمَّـة، ما يسَّر من آلات الإجتهاد في علـوم
    الشريعة، وCool.



    هذه أهم الأمور التي جعلت السَّلفيِّين
    -وغيرهم من العَدَلة النَّصفَة- وهم كُثر وإن استَخْفَوا وَضنُّوا على أنفسهم
    بالثَّواب وعلى الأُمَّةِ بالنَّفع
    -وخير النَّاس أنفعهم للنَّاس- يُقبلـون على شيخيِّ الإسـلام، ورائديِّ
    أجياله الآتية من بعدهما، لا بخساً لحق أحدٍ ممَّن قبلهما، ولا ضِغناً على أحدٍ من
    علماء الأُمَّة وشيوخها، ولا إعراضاً عن أحد عُرفَ بفضل علم.



    ولله وَحدهُ الفَضلُ والمنَّةُ، ولهُ
    الحمدُ أوَّلاً وآخراً.



    أمَا والله إنَّهم مع إعجابهم الشديد
    بابن تيميَّة وتلميذه، وحُبِّهم العظيم لهما، وتقديمهما على الكثير الكثير من
    علماء الأُمَّة ونبلائها الأعلام؛ فإنَّـهم لا يرونهما إلاَّ تبعاً للحق، وقد
    أعليا من مكانتِه -أي: الحق- في النَّاس، يأخذون منهما، ويردُّون عليهما، فما كانَ
    من حقٍّ لا لَبسَ فيه، فهما وسائر الأمَّة فيه سواءٌ، وما كان من خطأ أو شبهةٍ
    فهما وغيرهما بشر يخطئون ويصيبون([1]).



    * غمـزةٌ واضحــةٌ:


    عجيبٌ أمر «فلان» يُبدي غَيرةً على ابن
    تيميَّة ونُصرةً له، وهو يَعقِدُ مقارنةً بين نفسه وبين ابن تيميَّة في نقده ابن
    عربي، أو قل: فيما رَمى ابن عربي نفسـه من الدَّواهي والطَّامات العقديَّـة
    والدِّينيَّة، ولم يأت من بَعده من يدفعها عنه ويُبرىءُ ساحته منها، وهي كثيرةٌ
    جدَّاً، فمـن شاءَ استقصاءَها؛ فما عليه إلاَّ أن ينظر في أيِّ كتابٍ من كتبِ
    الرَّجل -ونسأل الله سبحانه أن يكون بريئاً من سوئها كي لا يعذِّبه الله بها- لكن
    أين من أثبت براءته منها؟! وكيف وهي محمولةٌ على أكفِّ الزَّمن تُدار كما تُدار
    أقداح الرَّاح على النَّدامى!



    يقول فلانٌ هذا -ولا ننقله نصَّاً-: من
    لوازم إثبات ما نسب لابن عربي مَّما استلزم الطَّعن عليه بها، الطَّعنُ ولا بدَّ
    على ابن تيميَّة بما نسب إليه من شذوذات (على رأيه!!).



    ونحن نقبلُ من فـلان هذا لو سلمت له
    لازماتُه؛ لكن لا تسلم لأسباب:



    1- أنَّ في النَّوايا خبايا، ونحن على
    علم أنَّ فلاناً -هداه الله- ربَّما عاب على ابن تَيميَّة رحمه الله حب
    السَّلفيِّين له، وعليه فهو ربَّما طعن عليه وغمزَ قناته بأدنى شبهةٍ عنده هو!



    وكم
    من عائبٍ قولاً صحيحاً وآفـتـه
    مِـنَ الفـهـمِ السَّـقيـم


    وفي روايةٍ: من الحقد القديم!!


    لأنَّه بالطَّعن عليه يشفي غليله
    مرَّتين، وإن كان طعنه عليه -كما يقال في علم البيان- بِسوقِ الذَّم في صورة
    المدح.



    2- لقد علمت الدُّنيا ألدَّ خصوم ابن
    تيميَّـة رحمه الله لم يَستطيعوا القيام أمامه بحجَّة واحدة من حججه، وبخاصَّـةٍ
    أقماءَ قَرننا هذا الأغبرِ بأهله، ومضى رحمه الله إلى ربِّه، وهو يحمل هموم
    الأُمَّة في صدره، لم يخرجها ما بذله من علم في حياته، عجزت القـرون أن تأتي بمثله
    من بعده، وما ذاك إلاَّ لإخلاصه الذي يعلمه الله وحده؛ لكنَّنا علمناه بالآثار
    الحسنة الطَّـيِّبة، التي عرفت الأُمَّة كلها فضلَ علم ابن تَيميَّة رحمه الله
    بها، فأبقى رحمه الله من بعدهِ ما يغني عن الدِّفاع عنه أبد الدَّهر.



    3- قيَّض الله لابن تَيميَّـة رحمه الله
    رجالاً، يذبُّون عنه بألسنتهم وأقلامهم، وينفون عنه الشبهات التي ألصقها به خصومه،
    والتُّهم التي جهـدوا أن يلحقـوها به في حياته وبعد موتـه، ممَّا لم يكن لغيره من
    العلماء رحمهم الله، فقد شغل ابنُ تَيميَّة عقلَ الزَّمن، وراضَ من استعصى على
    السَّابقين من قبله، وابتلي رحمه الله بطوائفَ من الجهلاء، والحاقدين
    والمتشبِّعيـن بغير ما هو لهم، ولـو أنَّ واحداً مـن كـلِّ فرقـةٍ من هـؤلاء رمى
    ابن تَيميَّـة بتهمةٍ أو بشبهةٍ؛ لصارت مع الزَّمان كالجبال، فكيف وهم جميعاً قَد
    أجمعوا على عداوته، وإذايته، ورميه بكلِّ مؤثِّمة وزور من القول؟!



    أما الأفعال فقد نكَّسوا رؤوسهم حياءً
    وإكباراً لها؛ إذ ماذا يقولون في رجلٍ عاش لسيفه وقلمه وعقيدته، لو أرادَ الدُّنيا
    لحازَ منها ما لم يَحُز منها الملوك، في غير سعي لها، ولا اشتدادٍ في طلبها.



    ويحسنُ بنـا أن لا ننسى ذلك الرَّجل
    المصلح المُجـدِّد الـذي ورث من علم ابن تَيميَّة رحمه الله ومن دعوته ما مكَّنه
    أن يواجه جاهليَّـةً بـرُمَّـتِـها؛ بسطت نفوذها ردحاً من الزَّمن على عقول أهل
    الجزيرة، أذكرتنا قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تقومُ السَّاعةُ حتى تضطرب ألياتُ
    نساءِ دَوْس حول ذي الخَلَصة»([2])،
    ومـا كان عليه غلـوُّ الجاهلـيَّـة الأولى في العقيـدة، والعبادات، والعادات؛ حين
    لقفت يدُه سيف علم ابن تَيميَّة رحمه الله، وشرَعه في وجه هذه الجاهليَّة، وجعل
    يجأ به خاصرتها، حتى ولَّت مدبرة عن الجزيرة ولم تعقِّب -رحمه الله- هو: الإمام
    مُحمَّد بن عبدالوهَّاب وأجزل له المثوبة.



    ولا أرى إلاَّ أنَّ جماهير طلاب العلم،
    والعلماء في عصرنا الحاضر يعلمون علم اليقين، أنَّ ما صار بين أيديهم من السُّنن
    والآثار والأخبار والسِّـيَر، يفوق ما كان بين أيدي طلاب العلم والعلماء في القرون
    السَّابقة بكثير جدَّاً، فما من عام يأتي إلا واكتشافٌ علميٌ جديدٌ يُظهر لنا
    كنزاً دفيناً من كنوز العلم في السُّـنَّة وعلومها، والآثار، والأخبار، والفقه،
    والتَّاريخ، والرِّجال، وغير ذلك ممَّا يمكِّن للعالم الجادِّ المُثابر من زيادة
    علمه ووفرة معرفته في كلِّ علمٍ من هذه العلوم، مِمَّا يكون من اختصاصه وموضع
    اهتمامه.



    ومن هنا وجدنا بَعضَ الأخيار الفضلاء من
    علماء السُّـنَّة في عصرنا -حين صارت
    إليه هذه الكنوز- يعودون عن بعض أقوالهم في السُّـنن والأخبار، التي كانوا قَد
    حكموا عليها بالقَبول أو بالرَّدِّ، وليس هذا بعائبهم، وقد علمنا أنَّ أئمَّة مِن
    أئمَّة هذا العلم قَد تعُقِّـبوا في أحكامهم، واستُدرك عليهم في كتبهم ومَرويَّاتهم،
    فإنْ يستدرك عالمٌ على نفسه بنفسه -بما حباه الله مـن علم حادثٍ لم يكن لديه من
    قبل- هو خير ناله وأناله، ودلَّل به على صدقٍ في نفسه، أظهره الله للنَّاس، وما
    كان هذا ليكون لولا ما منَّ الله به عليه من خشية من الله وعلم ونيَّـةٍ خالصةٍ
    فيه، ومن لم يصنع هذا الصَّنيع -بعد أن علم- فإنَّه ولا شكَّ يَصدُقُ فيه قول
    النَّبي صلى الله عليه وسلم:



    «من حَدَّث عنِّي بحديث يُرى أنَّـهُ
    كذب فهو أحدُ الكذَّابين»([3]).



    وهذا
    خلقٌ علميٌّ قلَّ أن تجدَه بين أهل العلم في زماننا هذا، اللَّهمَّ ما علمناه في
    خاصَّة الخاصَّة منهم، وعلى رأسهم: جبل السُنَّة الباذخ، وصيرفها البارع، الذي
    ألان الله له نصوصها، وطوَّع له عَصِيَّها، وقرَّب إليه بعيدها، وجمع الله به مـن
    علومها الظَّاهرة الدَّامغة ما آتى منها الأوَّلين، فكان بها من المجدِّدين،
    وامتداداً للسَّابقين، ودليلاً أميناً للاَّحقين -وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء-
    الدَّاعية الحُجَّة العلاَّمة النَّـقَّادُ المُحدِّثُ الشيخُ مُحمَّـد ناصر
    الدِّين الألباني.



    والإمام،
    الفقيهُ، الثَّبتُ، عالمُ الجزيرة، الزَّاهد، الورع، الجواد، البَصير، الدَّاعية،
    الجمُّ التواضع، الذي أحبَّه المخالفُ قبل الموافق، العلاَّمة الأثري، الشيخ
    عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، أمتع الله المسلمين بطول عمرهما، ونفعهم بعلمهما،
    وجزاهما ربُّنا سبحانه عن الإسلام والمُسلمين خيراً، فقد -والله- بذلا فأجزلا،
    وسقيا فأرويا، وبنيا فأعليا، وشهد لهما بذلك النَّصفَة من الأعداء قبل الأولياء(
    [4]).



    وقَد علمنا بعضاً من منتسبة العلم لا
    يجلسون مجلساً ولا يشهدون نادياً، ولا تتحرَّك عيونهم في محاجرها، إلاَّ وألسنتهم
    ناطقةٌ بفيض من التُّهم، لا تصلح إلاَّ أقنعةً لوجوههم المتلوِّنة، ولا تحسن إلاَّ
    لحسناتهم النَّزرة، وإن طالبتهم بالدَّليل على صحَّة هذه التُّهم لجُّوا في
    طغيانهم، وأوغلوا في بهتهم، وزادوا في بسط ألسنتهم أذىً واستكباراً!



    فماذا يا ترى يقولون؟ يقولون: إنَّ
    الاجتهاد عند السَّلفيِّين أيسر من شرب الماء، واستنشاق الهواء، والجري في
    العراء؟!



    والاجتهاد أعلى مراتب العلم، وأرفع
    درجات المعرفة في الإسلام فكيف إذاً يستوفيها العالم وطالب العلم الماهر الحاذق
    فيه، وطالب العلم الأدنى؟!



    أن يقول أحدٌ: إنَّ هؤلاء يستوون
    جميعاً؛ إمَّا جاهل غِرٌّ أحمق؛ وإمَّا مريبٌ معتدٍ، وإمَّا سفيهٌ كريهٌ، ومن ذا
    الذي يرضى لنفسه أن يكون واحداً من هؤلاء؟ نعم؛ يمكن أن يرضى بذلك الذي يرضى من
    هؤلاء الثَّلاثة‍‍‍!!



    أمَّا مُسلمٌ تقيٌّ يعرف حقَّ لا إله
    إلا الله عليه، وبأدنى منازل العلم؛ فلا يُعقل أن يرضى سماع ذلك فضلاً عن أن يرضى
    أن يكون واحداً من أولئك.



    وكل واحد رضي لنفسه أن يكون سالكاً منهج
    السَّلف عقيدةً، وعلماً، وأدباً، يأبى ذلك على نفسه البتَّة؛ لأنه يعلم أنَّ علماء
    الأُصول جعلـوا مراتب العلم للنَّاس ثلاثاً: مرتبة الاجتهاد، مرتبة الاتِّباع،
    مرتبة التَّقليد، وهو إذ يعلم ذلك؛ فلسوف يضع نفسه في المرتبة التي يعرف أنَّها
    اللائقة به، لأنَّه -أوَّلاً- أعلم النَّاس بنفسه، ولأنَّه -ثانياً- لن يُترك إن
    وضع نسفه في غير ما يليق، والأيَّام سوف تُعرِّيه، ويعرف النَّاس منه حينئذٍ ما لا
    يعرف هو من نفسه، ذلكم أنَّ العلم ليس بالأمانيِّ، والدَّعاوى، إنَّه بالسَّهر،
    وإدامة النَّظر، وتقليب الفِكَر، ومن ادَّعى شيئاً ليس فيه؛ عَرَفه النَّاس مـن
    غَدٍ بما فيه، وليس هو حينئذٍ بمُصدِّقه ولا بِنافيه، ورحمَ الله امرءاً عرف مكانه
    فأناخَ راحلته فيه!



    ولكن هل يضير السَّلفيِّين أن يكون فيهم
    مجتهدون، ومتَّبعون، ومقلَّدون؟ ليس ذلك بضائرهم قطُّ، ولا بمنقصٍ من مروءاتِهِم،
    ولا بغاصٍّ من عقيدتهم وأخلاقهم، إذ إنَّهم لم يبتدعوا في دين الله بدعة، ولا
    أمسكوا بذَنَبِ ضلالةٍ، ولا أهاجوا غُبارَ فتنة([5])،
    إنَّهم مع الأُمَّة في هذا التَّقسيم، ورضوا أن يكون فيهم المقلِّدون وما أكثرهم،
    وأن يكون فيهم المتَّبعون وهـم دون الأوَّليـن، وأن يكون فيهم المجتهدون وهم
    أقلُّهم عدداً، وأوفرهم علماً.



    ونجحد نعمة الله على الأُمَّـة إن قلنا
    هم أقلُّ المجتهدين فيها علماً!! وإن شئت فانظر مصداق ذلك في أئمَّة العلم: أحمد،
    والشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، والغرَّة التي ضوَّأت آفاق الدُّنيا شيخ الإسلام،
    وعَلَم الإيمان، بند الهدى، وراية الجهاد، وفارس القلم، ومهد العمل، وجبل السُّـنَّة،
    وعنوان الكتاب، وسيف القُرآن، وفَصل القضاء، وحِلس الزُّهد، ولِواذ التَّوحيد،
    وعَرْف الصَّلاح، وفيض العقل، الإمام الرَّمز ابن تَيميَّـة رحمه الله
    {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه} [سورة الأنعام: آية
    90].



    وقد يؤخذ على السَّلفيِّين فيما يؤخذ
    عليهم -والضرَّة المليحة في عين ضرَّتها قبيحة كما يقال- أنَّهم لا يأخذون العلم
    إلاَّ عن شيوخهم الذين اشتهروا أنَّهم على منهج الكتاب والسُّـنَّة، وأنَّهم
    يُسوُّون بين الفضائل من الأعمال وبين المندوبات والواجبات!!



    وقَد يطولُ النَّفَسُ بالجواب عن هذين
    المأخذين إن كانا، لذا فإنَّنا ندع الجواب عنهما لفصل مستقلٍّ؛ ندرأُ فيه شبهةً
    جديدةً عصريَّةً ألصقها بالإسلام أولياؤه، ولم يقُل بها خصومـه وأعداؤه؛ هي: أنَّ
    في الإسلام قشراً ولباباً!!



    وقَد صرنا نسمع في معاهدنا العلميَّة،
    وجامعاتنا، بعضاً من أساتذتها يُسمعونَ تلامذتهم أنَّ الاجتهاد من أعظم النِّعم
    التي أنعم الله بها على المُسلمين، ومن يقول بأنَّ الاجتهاد ظلَّ بابه مفتوحاً حتى
    نهاية القرن الرَّابع الهجري فقط (!) فقد أعظم الفرية، وجاءَ الأُمَّـة ببهتٍ،
    فإنَّ أبوابَ العلم مُشرَّعةٌ على مصاريعها، ومن شاء دخل من أيِّ أبوابه شاءَ، ومن
    شاء دخل منها جميعاً.



    وهكذا كلُّ مسألةٍ أظهرها السَّلفيُّون،
    وعلموا أنَّ الحقَّ فيها معهم وعالنوا بها -وكانت خافية أو مجهولة- بعد طول غياب
    وإهمال لها؛ ما تفتأ أن تشيع في الأُمَّـة، وتصير حاضرة في أذهانها، لا تريم إلاَّ
    لتجيءَ، ولا تغيب إلاَّ لتظهر، ولا تُنسى إلاَّ لتُذكر، فالحَمدُ لله الذي بنعمته
    تتمُّ الصَّالحات.



    وأعظم ما يكون سرورهم حين يرون أصول
    الإسلام الكلِّـيَّـة الصَّحيحة، وعقائده الإيمانيَّة السَّليمة، وفروعه
    التَّكليفيَّة المعروفة والمجهولةَ؛ تصبح مألوفةً مقبولةً في الأُمَّة، وإن كان
    الفضلُ في ذلك يعود إلى غيرهم؛ لأنَّهم علموا أنَّ الحقَّ لله وحده، وأنَّه يوفِّق
    إليه من شاءَ من صالحي عباده في الأُصول وفي الفروع على حدٍّ سواء، فهم لا يَحسدون
    بل يَغبِطون، ولا يملُّون بل يثابرون، ولا يقطعون بل يَصِلون، وشعارهم في ذلك
    كلِّه قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «إن قامت القيامة وفي يَد أحدِكُم فَسيلَةٌ؛
    فإن استطاعَ أن لا تقوم حتى يَغرسَها فليَغرسْها»([6])،
    وقولهُ صلى الله عليه وسلم: «خَيرُ النَّاس أنفعهم للنَّاس»([7])،
    وقولُه صلى الله عليه وسلم: «من استطاعَ منكم أن ينفع أخاه فليَنفعه»([8]).



    وما أجملَ وأعجبَ كلمةَ ذلك الحكيم: «قل
    كلمتَك وامضِ؛ فإنَّه لا بدَّ أن يأتي اليوم الذي يسمعُ فيه النَّاسُ صوتَها!!».



    ومن
    كان على منهاج الكتاب والسُّـنَّة يَرى أنَّ الأخذ عن شيوخ هذا المنهج قديماً
    وحديثاً أوصَلُ للعلم إليهم، وأبقى لنوره في صدورهم، وأرضى لله ولرسوله صلى الله
    عليه وسلم؛ إذ إنَّ هؤلاء الشيوخ لا يصدرون إلاَّ عن كتاب الله سبحانه وسنَّة
    رسوله صلى الله عليه وسلم، وهما الحبل المتين، والدَّرع الحصين، والحِرز المكين.



    والأخذُ عن هؤلاء الشيوخ في هذا القرن
    هو نوع من الإسناد العالي الذي عزَّ جداً، بل يكاد أن يكون قد اندثَر، فجزى الله
    خيراً من يسَّر للأُمَّة الطَّريق إلى سُنَّة نبيِّها صلى الله عليه وسلم تحقيقاً،
    واختصاراً، وتصحيحاً، وتَضعيفاً، وتبياناً لأحكام ومسائلَ وفروعٍ وأُصولٍ كانت
    منسيَّةً فذُكرت، غائبةً فأحضرَت، مخفيَّةً فأُظهرت، فالتقى شباب الإسلام عليها في
    كلِّ أرجاءِ الأرض، وسَعَوا إلى كتبها ورسائلها وفتاواها من كلِّ حَدبٍ وصَوبٍ،
    وأقبلوا نحوها ركباناً ورجالاً، وبذلوا أموالهم رخيصةً في شراء كتبها ورسائلها
    ومعاجمها، وتنافسوها كأشدِّ ما يكون التَّنافس، وصارت ذخائر نفيسةً -تُمِدُّ
    القعلَ والقلبَ بالعلم والهُدى- ومطارحَ علم نبغ فيها شبابٌ فتح الله عليهم من
    رحمته، وأزجى إليهم من نعمائه، وأنعم عليهم بسابغ فضله، حتى برعَ في السُّـنَّة
    وعلومها منهم طائفةٌ أرخوا ذيولَ جِدِّهم فوقَ تلك الكتب والرَّسائل والمعاجم،
    فاستَظهروها، وجمعوا في عقولهم ما فيها، وصارت طيِّعةً رضيَّةً تحت أسنان أقلامهم،
    وأصبحوا بذلك ظاهرين على أصحاب الدَّعاوى العريضةِ ممَّن كانوا يظنُّون أنفسهم -أو
    يظنُّهم النَّاس- أنَّهم على شيءٍ، ونَفَوا الأباطيل التي غلَّقت عقولهم زماناً
    ولبَّسوا بها على الجهلاء، فكانوا في أعينهم سادَة العلماء، وما لبث أُولئك أن
    وجدوا حزَّ موسى الحسد في قلوبهم ممَّا رأوا من هذه الطَّائفة، فقد علموا أنَّهم
    أضْحَوا على إفلاسٍ، وهوت بهم عروش السُّمعة، وصاروا يُبيِّتون في نفوسهم سوءَاً
    لهؤلاء الشباب، ويتناجَونَ في نواديهم ومجالسهم الخاصَّة والعامَّة بالإثم
    والعدوان، ويَستَعْدون عليهم الظَّلمَة، وينسبون إليهم كثيراً من الفِرى العارية
    إلاَّ من الكذب النَّاقم، والخرص الفاضح، والمكر البائر، لا يردعهم خوف من مصير
    كاشفٍ يذهب الحلم، ولا يزجرهم وعيد من يوم آتٍ تغيب فيه الأبصار، ولا يصدُّهم
    تحذيرٌ من هول عذابٍ تتقطَّع فيه الألباب.



    مَصيرٌ في يومٍ يقف فيه النَّاس شاخصةً
    أبصارُهم ترهقم ذلَّـةٌ، لا يرتدُّ إليهم طرفُهم وأفئدتهم هواءٌ، فماذا سيقولون
    لربِّهم وهو سائلهم وقائلٌك {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} [سورة الصافات:
    آية 24].



    وأخيراً؛ فلا بدَّ من أن يكون معلوماً،
    أنَّ الاجتهاد لا يُقبل في العقيدة، ولا يُدندنُ به حولها، ولا يذكر من أمامها ولا
    من خلفها؛ لذا كان حقَّـاً علينا أن نخصِّص فصلاً للعقيدة؛ نؤكِّد فيه أنَّ
    الاجتهادَ في العقيدة سائقُ إلى الكُفر الصُّراح.

















    ([1])
    التكافؤُ بين التابع وبين المتبوع كان صفةً نبيلةً عاليةً من صفات من كان يُجِلُّ
    ابن تيمية رحمه الله، فلما زال هذا التكافؤُ، صار كثيرٌ من السَّلفيين -من جهلٍ
    فيهم، وخوفٍ ممن يعظِّم بعضهم- يرى المتبوع هو الحقيق بالتنزيه وحده، ويرمي
    المخالف له بالجهل في العلم، والركاكة في الدين والعقيدة.







    ([2])
    الشيخان عن أبي هريرة «وذو الخَلَصة صنم كانت قبيلة دَوْس تعبده في الجاهلية
    والمعنى: أنهم يرجعون إلى جاهليتهم الأولـى في عبادة الأوثان، فترمل نساءُ دوس
    طائفات حوله. فترتجُّ أردافهن» مختصر من «جامع الأصول» (10/394).







    ([3])
    علقه مسلم في مقدمة صحيحه. ورواه أحمد وابن ماجه عن سمرة.







    ([4])
    فجع العالم بوفاة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله يوم الخميس في السابع والعشرين
    من محرم عام 1420 هجري، ثم تبعه الشيخ ناصر رحمه الله عصر يوم السبت قبل الغروب في
    الثاني والعشرين من جمادى الآخرة عام 1420 هجري، وكان فقدهما شديداً أليماً على
    قلوب المسلمين في أرجاء الأرض، رحمهما الله.







    ([5])
    اللهم إلا ما كان من الفتنة المشتعلة نيرانُها بينهم وهي فتنةٌ مصنوعةٌ على
    يد كبرائهم، وأقلام مقدَّميهم، والأدِلَّة
    ظاهرةٌ لا تحتاج إلى طولِ نظرٍ وبَحثٍ.







    ([6])
    رواه أحمد والطيالسي بسند صحيح.







    ([7])
    رواه الطبراني والقضاعي بسند حسن.







    ([8])
    رواه مسلم.





    avatar
    صلاح محمد حسانين
    المدير العام

    النوع : ذكر
    عدد المشاركات : 6402
    العمر : 54
    تاريخ التسجيل : 28/06/2009
    المهنة :
    البلد :
    الهواية :
    مزاجي النهاردة :

    عام رد: قرأت لك (هى السلفية ))

    مُساهمة من طرف صلاح محمد حسانين في 26/7/2012, 2:53 am

    وإني
    لأعجب من الذين يسمُّون هذه العقائد الموقورة بالفساد والأذى -حتى بظاهر ألفاظها-
    شذوذاتٍ.



    هل
    يريدون التَّهوين من خطرها على الدِّين؟ أم هل يريدون تبرئة معتقديها من الكفر
    الصَّارخ؟ أم هل يريدون توحيد الأُمم قاطبةً ليكونوا أهل دين واحد مزيج من أمشاجِ
    أديانٍ بادَ بعضها، ونُسخ بعضها، وتخالج بعضها، وبقيت أثاراتٌ سانحة من بعضها؟!
    ولعلهم ينتهون إلى مقولة القوميين السافحين: (الدين لله والوطن للجميع).



    وحسبنا أن نعلم أنَّ قروناً مضت -وهي
    تحمل أضغاثاً من الآلام النَّفسيَّة والبدنيَّـة، والأحقاد المأبورة الرَّادفة- لا
    زالت تُقطِّع نفوسَنا حسراتٍ لا نَعدُّها شيئاً يذكر بجانب تلك العقائد، وحطَّمت
    قوارب النَّجاة التي كانت معدَّة لرحيلهم عن الأرض التي كانت الحِضنَ الدَّافيءَ
    الهانيءَ لهم، ووقفت حواجبَ صُلبةً في سبيل الأمل الذي يرتجى يوماً أن يُوائم بين
    الأتراح وبين الأفراح، ويؤلِّف بين الأوتار المتدفِّقة بأنغامها النَّشاز، لكن
    أنَّى يكون أمل يُرتجى لمواءَمةٍ أو تأليفٍ، وهو مصنوعٌ من نار ودخانٍ، يتأجَّجُ
    لظىً ملتهباً يُقطِّع ويحرق، ويذيب، ولا يُبقي من ورائه إلاَّ ذكراً لأشياء كانت
    يوماً لها أسماءٌ!!



    إنَّ الَّذين يسمُّون هذه العقائد
    شذوذات لا تُكفِّر، لا يًصدِّقون أنفسهم، وهم إنَّما يقولونها زُلفى لأقوام أسرعت
    إليهم الدُّنيا بعد طول انتظار، وعلى حين غرَّة، بمنافع عراض طوالٍ هكذا تبدو
    للسُّراة في دهاليز الباطن المروِّع، يستخفون بأنفسهم من أنفسهم، ويحسبونها -وهي
    تستخفي- قادرةً على أن تعلن عنهم غير ما يخفون.



    لكنَّها لم تنفعهم يومـاً، ولا أرادهـا
    المعنيُّون بها حقائقَ موصولةً بصدور قائليها، فالحقُّ يظلُّ حقَّـاً ولا يُدرأُ
    بباطل، والباطل يبقى باطلاً ولا يَستخفي من وراءِ الحقِّ، والظُّلمة والنُّور لا
    يجتمعان، والأرض والسَّماء لا يلتقيان، والهدى والضَّلالُ لا يأتلفان، واللَّيل
    والنَّهار لا يمتزجان.



    ولقد رأينا من صنائع المتزلِّفين إلى
    أهل الباطل ما يبغِّض الذُّلَّ حتى لنفسه!! وما يكرِّه الصَّغار حتى لذاته!! وما
    يحقر الهوان حتى على حاله!! وكلَّما ظنَّ المتزلِّفون بأنفسهم خيراً، أقفرت الأرض
    الخِصبَةُ أمام نواظرهم، وصوَّحت الحدائق الغنَّاء في حَدَقاتهم، وصارت آمالهم
    العراض كالعصف المأكول تحت أقدامهم.



    فأهل تلك العقائد لا يفرِّقون بين من لا
    يرى كفرَهم، وبين من يَرى كُفرهم من غير من هم على غير عقائدهم تلك، فقد نذروا
    أنفسهم لتلك العقائد بأن يكونوا على حذرٍ وكرهٍ دائمين لكلِّ من ليس على عقائدهم
    هذه، فلا يُسِرُّون في أنفسهم إلاَّ المكر والشرَّ لهم.



    والمُتَسَربِلُون بتلك العقائد لا يرون
    سلامتهم إلاَّ في التَّفاعل معها روحاً ونصَّاً، وما آمنوا بها إلاَّ لعلمهم
    أنَّها ما جيءَ بها إلاَّ لتوهين صَفِّ الأُمَّة، وتفريق كلمتها، وإذكاء روح
    العداوة والحقد في صدورها.



    إذاً؛ فأريحـوا أنفسكم أيُّها
    المتزلِّفـون، وأربعوا عليها، فكلُّ جهدٍ تبذلونه إلى ضياع، وكلُّ أملٍ تريدونه عن
    نفسه إلى ذلك السَّبيل إلى زوال.



    الأمر -أوَّلاً وآخراً- بيد الله وحدَه،
    وإرادة الله التي بين الكاف والنُّون إن كانت فليس إلى ردِّها من سبيل، وليس على
    الله ببعيدٍ أن يُعيد الأُمَّـة اليوم، بما فيها من نواقضَ، وحوائبَ، وكوابدَ، إلى
    صدرها الأوَّل، ينفي عنها ما رسمته الأيَّام على جبينها، ويُذهب عنها الأوضار التي
    زَرَعتها السُّنون في صدرها، ويُبرئُها من الأوصاب التي صنعتها البغضاء الفائرة في
    قبولها، فتعود أمَّة واحدة كما كانت، على أُمَّةٍ واحدةٍ كما بدأت، بأمَّـةٍ
    واحدةٍ عازمةٍ فيها على لقيا واحدةٍ، تنزع عنها الأغلال والآصار التي وضعتها في
    أيديها وأرجلها بأنفسها، وترفع الحُجُبَ الثَّقيلة السَّوداء، التي غطَّت بها
    عقولها وقلوبها، والأغشية الصَّفيقـة التي عصَبت بها عيونها، فتبرأ من ذلك كلِّه،
    وتعيد إلى أنفسها الثِّقة التي أفلتت من أيديها، حين وُضعت في الأغلال والآصار،
    والرؤية الصَّافية الواضحة حين عصبت عيونها بالأغشية الصَّفيقة، والتَّفكير
    السَّويِّ الصَّافي حين غَطَّت عقولها وقلوبها بالحُجب الثَّقيلة السَّوداء.



    حينئذٍ: تكون بحقٍّ خَيرَ أمَّةٍ أُخرجت
    للنَّاس مِن بَعدُ ومِن قَبلُ، وتكون حكومتها في الأرض هي المُرتضاةَ في الأُمم
    والشُّعوب.



    * عَـودٌ على بدءٍ، وبدءٌ من عَـود:


    أرجو أن لا يفوت الأخ القارىء، أن يرجع
    إلى ما كتبته في الطبعة الثامنة من كتابي «إرشاد الساري» في مسألة التكفير،
    ومسائلَ ثلاثٍ أخَرَ، كيلا يَقَع في تحيُّرٍ، أو ظَنٍّ باختلافٍ مضطرب، وأُحبُّ
    للأخ القارىء (البصير التَّقيِّ) أن لا يكون (إمَّعةً)، [وأن يقرأ ما يقرأُ بعينيه
    لا بعينٍ يستعيرُ بعضَ بصرها، كما هي عادة السَّواد الأعظم من طلاب العلم
    السَّلفيين تَعُضُّهم التبعيَّة التافهة، لأشياخٍ يستحيي الزمان من ذكرهم في
    زماننا هذا، نسأل الله العافية].










    مَاذا
    عن فِقـهِ الواقِعِ؟






    على كلِّ داعيةٍ، وعالمٍ، ومُفكِّرٍ، أن
    يحفظ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قوله -وقد رأى أحد أصحابه رضوان الله عليهم
    جميعاً- وهو عُمر بن الخطَّاب -يقرأ في صحائف من التَّوراة فنظر إليه مغضباً-:
    «أمتهوِّكون فيهـا يا ابن الخطاب، لو كان موسى حيَّاً لما وسعه إلا اتِّباعي»([1])،
    فإنَّ في هـذا الحديث توجيهاً تربويَّاً علميَّاً عظيماً، يصلُحُ أن يكون أصلاً
    كبيراً واسعاً لمنهاج متكامل، يحقِّق أهدافاً كثيرةً جدَّاً، في ميادينَ معرفيّةٍ
    كثيرةٍ واسعةٍ، كلُّ واحدٍ منها موصولٌ بالآخر يتحرَّك بمن فيه وما فيه، ليُكوِّن
    مع الأُخرى دائرة معرفيَّة واحدة.



    ولست ذاكراً هذا الحديث لأتناوله
    بالشَّرح والتَّفصيل والإبانة، والسَّبر والتَّقسيم والتَّبويب، بل لأسوقه دليلاً
    على أنَّ «فِقهَ الواقع» الذي يدندن حوله بعض الدُّعاة، ما هو إلاَّ نافلةٌ من
    نوافل الفقه إن قُلنا بمشروعيَّتها العلميَّة، إن جاز التَّعبير، بل إنَّه أقرب
    إلى أن يكون من التَّرف المعرفي الذي شُغف به طوائف من مثقَّفي العصر، وبخاصَّة
    أولئك الذين أُقصوا عن دائرة المعرفة العلميَّة الدِّينيَّة (التَّقليديَّة) أو
    التي ألَّفت تأليفاً سائغاً بين الأسلوبين القديم والحديث في العلم.



    وقد صـار حسناً ومُساغاً في مجتمعات
    المُسلمين، أن يقرأ الواحد منهم مئات الصَّحائف في السِّياسة العصريَّة، وعلم
    الاجتماع الحديث، والاقتصاد والتربية وغير ذلك، ولا يستسهل قراءة رسالة صيغرة
    قليلة الصَّحائف في علم الفقه، أو أُصوله، أو العقيدة، أو علوم الحديث
    ومُصطَلَحِهِ، أو غير ذلك من مواريث علوم الإسلام.



    ولا زلت أذكـر أنَّ صديـقـاً لنا
    أتانــي بكتابٍ ضخمٍ، عنون له مؤلِّفه بـ: «القرآن والكتاب»، وهو مُعجبٌ أشدَّ
    الإعجاب به، وبمؤلِّفه، الذي جاءَ -على حدِّ قوله- بنظريَّة تجديديَّة شموليَّة،
    لم يُسبق إليها، هَدَم بها الكثير الكثير ممَّا تركه السَّابقون، وصار عند
    اللاَّحقين حقائق مسلَّمة، مطهَّرة، لا يجوز الحومُ حولها بريبةٍ، أو الدُّنو منها
    بنقدٍ يُرادُ به مسُّ طهرها، أو انتقاصها!!



    وقال: لقد قرأت هذا الكتاب أربع مرَّات،
    وفي كلِّ مرَّةٍ يزداد إعجابي ورغبتي في إعادة قراءَته، فهو ثورة فكريَّة علميَّة،
    تستمدُّ قوَّتها من الواقع المعاصر الحديث، الذي يجب أن يكون هو المكيال الذي
    تُكال به الثَّقافة والمعرفة، وإليه تردُّ حتى الحقائق المسلَّمة من كلِّ العلوم
    الإسلاميَّة والعربيَّـة، ذلكم أنَّه -الواقع- أثبت أشياء كثيرة جدَّاً، وكشف عن
    مجهولاتٍ لم يكن في حساب العقل الإنسان أن تكون، وأظهر أسباباً ووسائل معرفيَّةً
    جديدةً وَصَلَتِ الإنسانَ بعوالمَ كانت خيالاتٍ دائرةً في الفضاء المجهول الرَّحب،
    حتى صارت هي الواقع، والواقع هي، وحتى أصبح عسراً جدَّاً على الإنسان -الذي خاطبه
    الله من أوَّل يوم أنزل فيه الوحي على نبي الرَّحمة والهُدى، بالعلم وآلته-:
    {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ *
    اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ
    مَا لَمْ يَعْلَمْ} [سورة العلق: الآيات 1-5] أن يُميِّز الواقع المنظور المشهود
    المُحسَّ وبين المعرفة التي تُحدِّدُ معالمه، وترفع اللَّبس عن متشاكله، وتزيل
    الخفاء عن دقيقه وخفيِّه.



    كان هذا موجزَ ما حدَّثنيه هذا
    الصَّديقُ عن هذا الكتاب.



    وحين قرأت منه ما قرأت، رأيت فيه من
    الطَّامات الرَّاكدات والجانحات ما لا يُحصى ولا يُعدُّ، لو أُفْرِدَت كلُّ
    طامَّةٍ منها بكتاب لأسرع الفناء إلى كلِّ ما أتت عليهن، فكيف وقد اجتمعت كلُّها
    بين دِفَّتي كتابٍ واحدٍ، روَّجت له مؤسَّسات علميَّةٌ، وتوفَّرت على الدَّعوة
    لقراءته والإفادة منه دوائر إعلامية، وبُذلت في طباعته ونشره وتوزيعه الأموال
    الكثيرة الطَّائلـة؟!



    وأحضَـرْتُ له بعضاً من تلكم
    الطَّامَّات، وأبَنْتُ له ما فيها من كفرٍ صريحٍ ظاهرٍ، وزندقةٍ خفيَّةٍ باطنةٍ،
    فانتابه العجب، وأخذت منه الدَّهشةُ كلَّ مأخذ، فقد كان يحسب أنَّني سأوافقه في
    إعجابه بهذا الكتاب، وأدعو الناس إلى قراءته، ولو مرَّة واحدة!!



    فلما تبين لـه أنَّ هذا الكتاب هو
    الباطلُ الزَاهق، والكفر الحائق، علم أنـه -وعلى زعمه أنـه قـارىءٌ واسع الثقافة-
    ليس على شيءٍ -على الأقل- من الثقافـة الإسلاميـة الواعيـة، التي يرجـو بـه أو
    يؤمـل النجاة، من وبير!! أو من دبير!! وأنه لا يصيب خلوصاً من فتْل ما ظنّه شديداً
    محكمـاً، إلاَّ ونقضه، وفتلـه مـرة أخرى إن بقي فيه ما يصلح أن يُفتل بمـرّة!!



    والقارىء هذا الكتابَ وغيرَه من كتب
    أخرى تشبهه -وما أكثرها في هذه الأيام- يعلم علم اليقين أن مؤلفيها وجامعيها، ما
    نهضوا إليها تأليفاً وجمعاً، إلا ليترجموا بها وفيها ترجمة عملية تلك المقولة:
    «ضرورة فقه الواقع، وحاجتنا الملحَّة لاستظهار ما فيه، وبيانه للناس بياناً
    علميّاً، يوقِفُ الجيلَ على بواطن الأمور وجليِّها، فلا يفوتهم منه إلا ما يُدرَك
    بظنٍّ ولا رغبة في تحصيله» ثم تراهـم يعمدون إليها، يشرحونها شرحاً مفصلاً
    يَلفِتونَ به عقول الناس -وبخاصَة الشَباب منهم- إليهم في تحريض خفيٍّ ذكيٍّ، على
    الفقه الإسلامي، يكسرون أبوابه كسراً مروعاً، حتى لكأنما يثأرون لأنفسهم من أصوله،
    وقواعده، ومسائله، وفروعه.



    ويتعدّى تحريضهم هذا، لينال من العلـوم
    الإسلامية والعربيـة كافَة، التي قامت على عقول العلماء، وألقت بها في الأسماع
    ألسنتُهم، وسطّرتها في الصّحائف أقلامُهم على امتداد القرون، وتعاقب الأيام
    واللّيالي، في غير كَللٍ ولا ضجرٍ، ولا حرصٍ على مالٍ ولا شهرةٍ، ولا ابتغاء رضوان
    واصلٍ بنفع دنيوي يُرتجى.



    وقد فُتن بهذه المقولة الجائفة الزائفة
    -ولكن على نحو آخر- كثيرون من أصحاب المنهج الحقّ، وأخذوا يتتبعونها في مظانّها،
    في الكتب والرسـائل والمجلاّت والمحاضرات والندوات، وشغفوا بالمبدعين الداعين لها،
    المروِّجين لفلسفتها وهُجنتها، حتى صرفهم اشتغالهم بهذا الفقه؛ فقه الواقع -أو كاد
    عن الواقع نفسه، و أصارهم اسارى له في فترة زمنيّة وجيزة.



    ومما ساعد على سرعة انتشار هذه المقولة،
    وتجميع الأنصار المعجبين بها وبدُعاتها، الأحداثُ العاتية التي اصطنعها أعداء
    الملّة، ليجتثُّـوا بها الدِّين والمال والأخلاق من أرضنا، جمعوها في جرابٍ واحدٍ،
    وأطلقوها جامحة في أرض الجزيرة والفُراتين، لِتأكُل الأخضر واليابس معاً، بما
    أسموها: «حرب الخليج»؛ فنالت بضرِّها من كلِّ ما ينسب إلى العروبة والإسلام.



    ولو كنّا ممّن يدّعي الكشف -وحاشا-
    لأفضينا للناس بصحائف من الغيب، قرأناها بعقولنا وبصائرنا من أوّل يوم بدأت فيه
    فتنة الخليج، لم يغب فيها عنّا غائبةٌ مما حملته تلك الفتنة العمياءُ منذ يومها
    الأول، وحتى وضعت أول أوزارها، وإلى أن تتمخّض عن آخر أوزارها، وإن كنتُ لا أدري
    متى سيكون مخاضها الأخير لتنتج آخر تلك الأوزار، نسأل الله العافية والسَّلامة،
    حتى وإن بدا للنَّاس أنَّها قد وضعت أوزارها، أعاذنا الله من سوء عاقبتها.



    ووالله ما كان من شغفٍ بفقه الواقع، ولا
    بصرف جهدٍ ولو بيسيرٍ نحوه، ولا برغبةٍ في تعريف النّاس به، والتّفاخر فيه، إنما
    كان بأمرين اثنين:



    الأوَّل:
    الصِّـدق في نُصح الأمَّـة الذي أوجبه الله سبحانه على المسلمين بعضهم لبعض، وبخاصّة
    على العلماء الدُّعاة منهم، وهو عهد أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه
    وعلى سائر قرون أمّته، كما جاءت به الأخبار الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه
    وسلم.



    الثاني:
    النَظر المستبصر في كتاب الله العزيز، وسُّنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم، وفيهما
    الغنية كلُّ الغنية عمَّا سواهما، فمن أوقر ذهنه بدقيق فقه نصوصهما فقد أوفى في
    العلم والمعرفة على مشارف العلم المقدور عليه، وصار إليه من دقة النظر، وصواب
    الرأي ما ليس لغيره.



    ومِمَّـا يستوجب الشُّكر لله علينـا
    أنّنـا -وCool- كنّا، ولا زلنـا نعتقد أن الإيغال في نظريّة فقه الواقع -على
    نحو ما صارت إليه، عند طوائف المثقفين المسـلمين- مضيعةٌ للوقت، مذهبةٌ للجهد،
    مأكلة للفائدة المرتجاة من العلم، ويكفي من فقه الواقع ما يبصِّره بالحاجات
    والضرورات، والحوادث التي تفرضها الحياة بأسبابها ودواعيها على الأُمَّـة، إذ ليس
    يحسن بالدعاة العلماء، أن يصمُّوا آذانهم عن سماع ما يُلقى إليها من سؤالاتٍ
    يستنبىء بها السّائلون عمّا يدور حول هذه الحاجات والضرورات والحوادث، وفيما يحيط
    بها ويتصـل بحركتها وأسباب نشوئها، والغايات التي أُحدثت أو كانت من أجلها في حياة
    الناس، كي يكون جوابُ كلِّ واقعةٍ لحاجة -أو لضرورة، أو لحادثة- مؤسَّساً على
    النظر العقلي المسدَّد بالدليل الشرعيِّ الذي لا يخطىء إمَّا بقياسٍ، وإمَّا بعموم
    الاستدلال، وإمَّا بنصّ يطابق الواقعة المشابه لها حين وقوعها وطُرُوِّها أوَّلاً.



    ولا
    أحسب أنَّ مسلماً عاقلاً اليوم -مثقفاً كان أم غير مثقّف- يجهل أمراً يكاد ينطق في
    النّاس بلسان عربيٍّ غير ذي عوج، وهو أنَّ الأمَّة المسلمة اليوم مكبَّلةٌ بأغلال
    ثقيلة أوثقتها بالأرض، فلا تستطيع معها حراكاً، إلاَّ أن يأذن لها به صانعو هذه
    الأغلال، وما كان صُنْعُ صانعيها لها إلاَّ لكي تظلّ هذه الأمَّة -التي قال الله
    فيها: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [سورة آل عمران: آية 110]،
    رازحةً تحت ثقل الذل، والهوان، والضياع، والتنازع، والاختلاف، والتفرُّق، والإحساس
    بالديمومة -التي لا تنزع عنها- من خشية، تلبـس قُمُصها، وتترسل بها، بل وتتخذها
    زينة لها، لا تُحسنُ إلقاء شيءٍ منها إلاَّ أن تتضرّع إلى صانعي تلك الأغلال
    تضرّعها إلى خالقها، بل وأشدُّ تضرعاً!!‍‍ فيكون منَّا -عيـاذاً بالله تعالى-
    مضاهاةٌ لمن قال الله فيهم: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله
    أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله} [سورة البقرة: آية 156]، ونسيت الأمة شطر
    الآية الآخر: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لله} فكـان أن تسـلّط عليها
    الأعداء من كلِّ جانب، وأوفروا لها في أنفسهم وفي أيديهم من أسباب الانتقاص
    لأرضهم، والاستعباد لقلوبهم وعقولهم، والاستيلاء على أموالهم وثرواتهم، ما لا
    يُحصى ولا يُعد، وما لا قِبلَ لها بترجمته إلا بحروف وكلمات أعجمية، فيها شوائب
    الرّطانَةِ وأمشاج الاستغراب، وأخلاط الاستشراق، فلا تهمس -إن همست- إلا بها، ولا
    تحرِّك لساناً، -إن حرَّكته- إلا بإرادةٍ مُلْجَمةٍ بِلجامٍ من غير مسَدِ أرضها.



    ولا يَحْسُنُ أن يغيب عن مسلم عاقل
    -مثقفاً كان أم غَيرَ مثقّف- أنَّ لهؤلاء الصُّنَّاع المهرة من أعداء الأمَّة
    أولياء بَرَرة يُصدِّقونهم، ويُخلصون لهم في سرٍّ وعلانيةٍ، ولا يبخلون عليهم بشيء
    يُطلبُ منهم، ولو على حساب كرامتهم، ومروءتهم، بل وعلى حساب دينهم وعقيدتهم، فهم
    يهرعون إليهم مسرعين في كلِّ وقتٍ، وفي أيِّ مكان، يحنون لهم قاماتهم المديدة،
    يبذلون لهم الطاعة في صدقٍ وإخلاصٍ وحبٍّ، لا يعرف إلاَّ الوفاء!! والإخلاص الذي
    لا يُرى معه إلا التَّقصير في الأداء!! وهؤلاء كثرٌ في الأمَّة اليوم، يزيدون ولا
    ينقصون.



    وهذا ممَّا يؤكده قوله صلى الله عليه
    وسلم:



    «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كلِّ أفق
    كما تداعى الأكلَة على قصعتها، قيل: يا رسول الله! فمن قلّةٍ يومئذٍ؟! قال: لا،
    ولكنّكم غُثاء كغثاء السَّيل، يُجعل الوهن في قلوبكم، وينزع الرُّعب من قلوب
    عدوكم، لحبِّكم الدُّنيا وكراهيتكم الموت»([2]).



    حديثٌ يصوِّر واقع الأمَّة، بكلِّ ما
    أجلبت على نفسها من أسباب الخذلان والتنازع والفرقة، وذلك بإقبالها على الدُّنيا
    الفانية، وزخرفها الفاتن، ومتاعها الآسن، أغرقت به نفسها في لجّة التِّيه الآبدة،
    وذهبت فيها مع شهواتها كلَّ مذهب، وأوغلت في بيداء مربعة الإذلال والاضمحلال،
    والشتات، وأوفت على غايةٍ من اليأس، نفضَ الشيطان عندها يديه من قـدراتـه
    المـاكـرة التي أذلّ بهـا الخلائق بمعاصيهم، وأرغـم آنافهـم لوحيـه الشَّـرِه
    بالذُّنوب، والآثـام، وطفـق مـن بعـدها يغريهم ساخراً بالعودة إلى الطَّاعــة،
    ولكن أنَّـى!! وقد صارت فيهم الذنوب والآثام والمعاصي إلى حالٍ؛ لا تنزع عنهم إلا بفطرةٍ
    أخرى جديـدة يبدلها الله بهـا، تُحوِّلهم من هذه الحال التي صاروا إليها إلى الحال
    التي كانوا عليها من قبل!!([3])



    ولما
    أن فرغ الشيطان من أمرهم وقف يناديهم: هلمّوا إليّ يا أهل طاعتي! ويا خاصّة
    أوليائي! ويا قرّة عيني!! لقد وعدكم الله وعد الحقِّ وأمركم بطاعته فأبيتموها،
    ونهاكم عن معصيته فأتيتموها، فكان منكم أن أخلفتم موعد ربكم، وصدَّقتم موعدي، فما
    أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيَّ، فعليكم بأنفسكم، فلا أنا منكم ولا أنتـم منـي، ولا
    مردّ إلى ربكم منكم من سبيل، فقد صارت أزمَّةُ قلوبكم بيد الشَّهوات، ومقاودُ
    عقولكم بيد الأهـواء، واستحوذ على نفوسكم حبُّ الدُّنيا، وأذلّكم أطماعها، وقد
    حذّركم من ذلك كلّه نبيُّكم، فما أطعمتوه، وأقامكم على المحجَّة فما أجبتموه، وها
    أنا ذا أُدْبِرُ عنكم بعد أن أصارتكم الأهواء والشَّهوات، والأطماع إليَّ {إِنِّي
    بَرِيءٌ مِّنْكُمْ إِنَّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنَّي أَخَافُ الله وَالله
    شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سورة الأنفال: آية 48].



    وما
    ابتُليَ المسلمون في زمانٍ بمثل ابتلائهم بغلبة شهوة المال والنساء عليهم، وما
    حذّرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من شيء، بأكثر ممَّا حذّرهم من المال وسطوته،
    والمرأة ومكرها.



    ومن
    ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «الدُّنيا حلوة خضرة، وإنَّ الله مستخلفكم فيها
    فناظرٌ ماذا تعملون، فاتَّقوا الدُّنيا واتَّقوا النساء؛ فإنَّ أول فتنة بني
    إسرائيل كانت في النساء»([4]).



    ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «ما
    تركتُ بعدي فتنةً أضرّ على الرِّجال من النساء»([5]).



    ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «ما
    الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسط الدُّنيا عليكم كما بُسِطَت على من كان
    قبلكم، فتنافسوها كما تنافَسوها فتهلككم كما أهلكتهم»([6]).



    ولست أحسب أنَّه يغيب عن المسلمين أن كل
    ما حذّرهم منه نبيُّهم صلى الله عليه وسلم مما سيكون فيهم من بعده، إلاَّ وقد كان
    فيهم كما أخبر وحذَّر، وما يكاد ينجو منه إلا من رحم ربُّنا، وقليل ما هم.



    فماذا يا ترى ينتظر المسلمون أن يأتيهم
    به الله سبحانه؟! هل ينتظرون بغضاء تَنبُت بين ظهرانيهم، وحسداً يطارد جمعهم،
    وذلاً يُطيح بهم، وفرقةً تضرب بِجِرانها فيهم، وسخائمَ سوداء تدبُّ بأرجلها بينهم،
    وجحافل من المنكر تسوقهم من أمامها، وأغلالاً من الآثام والمعاصي تُثقِل رقابهم
    ونواصيهم.



    إن كانوا ينتظرون غير ذلك فإنَّ الغفلة
    تكون قد بلغت منهم مبلغاً، صاروا معها يرون القبيح هو الحسن، والشرّ هو الخير،
    واللَّيل هو النّهار، والسَّماء هي الأرض، وال****َ هو الأسد، والحمارَ هو الحصان،
    والعَمى هو الإبصار، والمنكرَ هو المعروف، والمثلومَ هو السّليم، والمنقوصَ هو
    التّامَّ، والدَّنيّ هو الرَّفيع، ويكون قد صدق فيهم ذلك الأثر: «كيف أنتم إذا
    رأيتم المعروف منكراً، والمنكر معروفاً؟! كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونيهتم عن
    المعروف؟!».



    إنَّ الأمَّة التي تصير إلى مثل هذه
    الحال، يكون عسيراً عليها أن تنجوَ منه، وتنفضَ عن نفسها آثاره، وتنخلع من آثامه،
    وذلك يكلِّفها جهدٌ جهيد، وزمنٌ مديد، وعلى الأمَّة كلها، أن تنهض متنادية
    متداعيةً إليه حتى تمسك بحبل النَّجاة، وتظفر بخيط الرّجاء!! لكنْ أيّة أمَّة هذه؟



    إنَّ الأمَّـة كلّها تقف اليوم شاخصةً
    أبصارُها، مهطعةً أمام أعدائها، تمشي على الشَّوك وتظنُّ أنها تمشي على العشب
    النّاعم الأخضر!! ويملأ صدورها نتنُ الحضارة الحديثة والمدنيّة المجلوبة، وتخال
    أنها تستبق أريج الرَّبيع!! وتختال في كبرياء الذُّل السَّاحق، وتحسب أنها قد لامست
    برؤوسها أديم السَّحاب!! لو لم تفقه من الواقع إلاَّ هذا، لكفانا فقهاً لواقعنا!!



    يا الله! ما أوسع حلمك!


    يا الله! ما أجلَّ عفوك!!


    يا إلهنا! ما أعظم فضلك!!!


    أمَّةٌ عبثت بعقلها في شريعتك.


    وأوغلت بجوارحها في معصيتك.


    ودبّت بأهوائها في أكناف دينك.


    وحلمك قد وسع العاصي منها قبل الطائع.


    وعفوك قد أظلَّ المسيء قبل المحسن.


    وفضلك قد أدرك المعرض قبل المقبل.


    فأيُّ حلمٍ إله حِلمُك؟


    وأيُّ عفوٍ ربّي عفوك؟


    وأيُّ فضلٍ إلهي فضلك؟!


    لو لم يكن من حِلمِكَ إلاَّ أن أبقيت
    فينا العافية.



    لو لم يكن من عفوك إلاَّ أن أبقيت فينا
    الأمن.



    لو لم يكن من فضلك إلاَّ أن أبقيت فينا
    الرِّيَّ والشِّـبَع.



    يا الله! ليس لنا ملجأٌ منك إلا إليك.


    ولا منجى منك إلاَّ بك.


    ولا ملاذ منك إلاَّ فيك.


    يا ربَّنا!


    لا تخذل العائذين بعفوك.


    ولا تُحزن الطامعين بجنّتك.


    يا سيدنا!


    لا تُيئس الهاربين من عدلك إلى فضلك.


    ولا تمنع العافين عن فيض خير يدك.


    ولا تفضح العاصين بذنوبهم على مشهد من
    خلقك.



    ثم إنـَّه لا يَحسُنُ بمسلمٍ عاقلٍ
    -مثقّفاً كان أم غير مثقّف- أن يرى سواد الأمَّة -بملايينها الكاثرة- تقبل على
    الجهل المضحك المبكي في آنٍ معاً، إقبال المطر المهراق على الأرض الجُرُزِ - حتى إنهم
    لا يحسنون من صلاتهم إلا حفظ أعدادها إن حفظوها، ويجهلون أقرب مسائل عقيدتهم
    وأيسرها- ثمَّ هو يرى أنَّ الفقه بفقه الواقع على نحو ما هو من ضحالةٍ ألزم وأوجب!



    ولنا في بعض الجماعات الإسـلامية
    المعروفـة ما يكفي من التحذير من مغبّة الجهل الذي أركض نشاطهم وجهدهم في مسائل
    إيمانية عامّة لا تقيم طائفة منهم على حقٍّ ولا تزحزحها عن باطلٍ، لا بسوء نية
    وإصرارٍ على منكر هم ظانون أنهم فاعلوه، بل بعجزٍ كفاهم وأقعدهم عن البحث في نصوص
    الوحي، وحفظها، وتعلُّمها، ليكون منه وقوفٌ على حقيقة التصفية والتنقية للعقيدة،
    والتَّعلم والتربية على منهج الوحي في الأحكام الشَّرعية، وتكون النتيجة أو
    الثَّمرة اتِّساع رقعة الضّياع والتّيه على أرض واقع الأمَّة، وهل يُرجى في أُمتنا
    ومنها الخير إن هي شغلت نفسها بفقه الواقع، الذي صارت كلّياته وثوابته معلومة حتى
    عند الصِّغار، وآثرته على فقه الماضي، الذي إن شغلَت به وقَفَها لا على فقه الواقع
    فحسب، بل وعلى فقه المستقبل القريب والبعيد!! فإنَّ المؤمن يعرف بحدسه الإيماني،
    ما لا يعرفه كبارُ فقه الواقع!!



    إنَّ الأرض على رحبها، صارت صغيرةً
    جداً، زويت أطرافها وجمعت، وضُمّت جهاتها وتدانت، حتى صار لا يخفى من أمرها شيءٌ،
    وأخرجت للناس أخبارها، وأظهرت لهم خبءَ أسرارها، فتساوى جميعهم في ذلك، ولم يَعُدْ
    واحد منهم يَفضُلُ لآخر إلاَّ بما يكون فيه من رغبةٍ في الإقبال، أو في الإدبار.



    إنَّ
    غِربان ثقافات السّراب الشَّاسع في غرب وشرق وشمال وجنوب ينقلون إلينا -نحن في
    مهود النُّبوات- نعيباً علا وعلا، حتى ملأ أسماعنا، وأثقل صدورنا، وأجهد عقولنا،
    إذ تشاكلت عندنا الأشياء المتباينة، وتنافـرت الأشياء المتشابهة، ونُفجَ المكددون
    بالاتباع المهين بما ألقي إليهم في أيديهم، فكان منهم الوحيُ لبني جلدتهم،
    المتحدِّثين بلسانهم، الشّاربين معهم كأس عذاب واحد!! بكلِّ ضواري الفكر التي
    أفسدت عقول العباد وتُراب البلاد!!



    فإلى
    متى؟ إلى متى؟



    أكاد
    أقول أخيراً: إنَّ فقهَ فقهِ الواقع، أن تدَعَ فقهَ الواقع، ليستحكم عندك فقه
    الواقع، فتكون من أعلم الناس، وأفقههم بفقه الواقع!!



    وعلينا
    أن نستذكر دائماً تلك القاعدة النَّبوية التي أرساها رسول الله صلى الله عليه وسلم
    -وقد رأى عُمر بن الخطّاب ينظر في التوراة- بقوله: «أمتهوِّكون فيها يا ابن
    الخطّاب، لو كان موسى حيّاً ما وسعه إلا
    اتِّباعي»([7])،
    فإنه قاعدة عظيمة في هذا الأمر الذي غرقَ فيه متيّمون، وجَهِد فيه مُرمِلون، وأوفى
    على مسبغته جياعٌ عانون، فلجّوا في ضحالة فكرهم وتصورّهم يعمهون، وباتوا وأصبحوا
    على مثل شوك السَّعدان فهم لا يُغمصون.



    ولو
    أنهم ظنّوا في أنفسهم ظنَّ الحَسن لنظروا في مستقبل الأمَّة بعين البصيرة، التي
    شامت حقائق العلم، ومباني الإيمان، وهداية الرّحمن، فأصبحت -وهمُّها الآخـرة في
    اختلاط الأحوال، وتراكض الأهوال، وانتفاج الأموال- تكاد بها أن تكشف عن مكنون
    الأمـور المودَعَةِ في خاصِّ علم الله سبحانه، بل ربّما وُهِبَ هذا المرء أو ذاكَ
    ملكةً مدركةً، يعرف بها بالتَّفرُّس -وفْقَ النّواميس والسُّنن الإلهية التي
    أقامها الله سبحانه- دلائل لا يخطئها حتى النظر العقلي المحض، فكيف إن اجتمع إلى
    هذا النظر العقلي، الفقه البصير بطبيعة تلك النواميس والسُّنن؟ ثم ما يكون من حرص
    صاحب هذا الفقه على وزن الأحداث الجارية في آفاق الحياة الإنسانية وواقعها وفق هذه
    النواميس والسُّنن؟‍



    وأحسب
    أنَّ هذا كلّه من فقه قوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ لله تعالى عباداً يعرفون
    النـاس بالتّوسم»([8])
    فليهنأ أولئك الذين وهبهم الله بعلمهم، وتقواهم بصيرةً، فإذا المستقبل أمامهم
    صورةٌ واضحةٌ باطنُها كظاهرها، وأعلاها كأسفلها، ووجهُها مثل قفاها، وذلك أن من
    كانت له بصيرة بحقائق العلم، ومباني الإيمان، وهداية الرحمن، كانت له بها ملكةٌ
    يكاد يقرأُ بها في قلوب الناس بالنّظر في وجوههم، ويعرف ما في صدورهم بالتأمل في
    جباههم، ويرى ما يجول في خواطرهم في حركاتهم وسكناتهم.



    والنَّاس
    هم الذين يصنعون الأحداث بإرادة الله وقدَره، وتجري في الأرض وفيهم بسنن الله ونواميسه
    التي لا تقبل التَّغير ولا التَّحول، فإذا ما أنزل صاحب هذه المَلكةِ فكرته
    المقدّرة على الأحداث الجارية أصاب
    -وفي وقت يسير- دقّة الصَّواب المحكم بما سيكون، وفق تقدير هذه المَلَكة،
    بوصلها بالسُّنن والنَّواميس الإلهية الثابتة.



    والنظـر
    الدَّقيـق في النصوص الثابتة الهادية من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم،
    للتحاكم إليها، في الحلال، والحرام، والنّظر، والاستنباط والحكم الدقيق، والواقع
    الحاضر، والمستقبل الناظر.



    ويكفي
    المسلم العاقل في زماننا هذا أن يفقه من واقعه أمرين اثنين فقهاً يكون من وراء
    البصيرة الفطرية لا ليدرك بها الواقع، بل ليرى بها المستقبل بكلِّ أحداثه وأحواله:



    الأوَّل:
    أنَّ مصائر الأمَّة ومقاليدها صارت إلى أيدي أعدائها، وأنَّها لذلك لا تملك لنفسها
    معهم نفعاً ولا ضراً، وأنَّ كلّ ما يصدر عنهم لا يحمل عنهم خيراً قليلاً ولا
    كثيراً لها، لا لحاضرها ولا لمستقبلها، وأنّهم يعملون جاهدين على طمس ماضيها الذي
    أشرقت به الأرض بنورها، وما أمر كتائب الاستشراق والتبشير التي تتابعت على أرض
    الأُمَّة، بمؤسساتها، ومدارسها، وجامعاتها، ودهاقنتها بغائبٍ عنا، ولا الحملات
    العسكرية في القريب والبعيد التي دمّرت مدنيّة الأمَّة وحضارتها، واستلبتها
    إرادتها، وأحكمت قيد الذلّ والاستعباد المهين حول عنقها، وأشفت بها على جروف
    الموت، والبوار، والهوان، بخافٍ علينا.



    الثاني:
    أنَّ الأخبار النَّبويَّـة -التي ملأت الأسفار، وحفظها العلماء الأحبار، وانجلت
    بمعانيها وفحوى صدقها انجلاء الإسفار؛ حملت لنا عن الوحي ما لو علم بعضه أُولئِك
    الدّاعون المتيَّمون، لعلموا أنَّ شيئاً مما كان لهذه الأمة أو سيكون، مسطورٌ فوق
    أرضها، مقروءٌ فوق جبينها، مسموعٌ من فوق آفاقها، وإنَّ هذه الأحداث موثوقة إلى
    القوانين والسُّنن الإلهية، وما عليها إلاَّ أن تستبصر هذه القوانين والسُّـنن
    الإلهية، لتخبرها بكلِّ الأحداث الجارية، أو التي ستجري في المستقبل أيضاً.



    ولسـتُ
    أعجب في هذه الدُّنيا إلاَّ من أولئك المسلمين الذين ملّكهم الله سبحانه مفاتيح
    المعرفة، بكلِّ ألوانها وأشكالها وأسبابها، ثمّ تراهُم يُدهشون أمام نظريّات الأمم
    والشُّعوب الأخرى، أحدثوها في حياتهم، بتجارب عمليّة، أو بنظريات عقلية، أو
    بتقديرات ظنّية، وبَنوها على واقع زمانيٍّ أو مكانيٍّ محدود، لا يتعدّى -على أوسع
    دائرةٍ تقديريةٍ- ملايين معدودة من البشر، وربّما كانت أخلاطاً متنافرةً بأصولها
    المختلفة في ألسنتها، وعاداتها، وألوانها، حتى في عقائدها، فإن تبني نظريّات على
    حدس، أو تجربة محدودة، لا تتجاوز رقعةً مكانيةً، أو دائرة زمانيّةً، فهذا لا يصلح
    أولاً قياساً، يستجلب به أممٌ أو شعوبٌ أو جماعاتٌ إنسانيةٌ غير تلك التي بنيت أو
    أُسست عليها هذه النظريات العقليّة -إن كان يصلح-، وإن كان صلاحٌ، فإنما هو لفترة
    زمنية محدودة ضيِّقة.



    ولا
    يخفى أنَّ بشريَّة الإنسان تنتهي -على أبعد مدى- عند حدود المقدور عليه عقلاً لدى
    الإنسان، وعقل الإنسان مخلوق فيه من ضعف ما فيه هو، والضّعف لا يشتدُّ حين يشتدُّ
    إلاَّ ليأخذ طوراً جديداً في الضعف تقتضيه مراحل عمر الإنسان نفسه، وهذا ما يثبته
    القرآن العظيم وبصورة منذ الخلق الأول للإنسان في إيجازٍ بليغٍ {الله الَّذِي
    خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن
    بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً} [سورة الروم: آية 54].



    أضف
    إلى هذا الوصف اللازم الذي لا ينفك عن الإنسان -بوصفه إنساناً- ما يعتريه من
    شذوذات الفكر العارض، ومن الحاجات التي يُنشئها ضغط الانحرافات، ومن التصورات
    النفسية الحالمة، التي تلزم الإنسان إلزاماً بأعمـال حسيَّة وتقديريـة توافق هذه
    التصورات وفق ما تفرزه الرغبات البشرية.



    وكلّ
    شذوذات الفكر، وحالات الانحراف، وتصورات النفس هذه، هي من صنع المدنية الصناعية
    الحديثة، صنعتها بلا ضوابط ولا حواجز، وحتى لو كانت ضوابط وحواجز، فهي من صياغة
    بشرية الإنسان، ما كانت هي في ذاتها صالحةً للحدّ من آثارها، وكلُّ آثارها فاسد لا
    يصلح.



    ولو
    كان الإنسان يقصد إلى تدمير نفسه وعلمه وحضارته التي شادها بعرقه وجهده، ما زاد
    على ذلك لو كان قد فكّر في أن يدع للفكر الديني الموضوع من علم البشر أن يكون له
    دور -على ما فيه من أخطاء الوضع- ليعمل على الحد من تلك الآثار الفاسدة الناشئة من
    تلك الشذوذات.



    ولقد
    ناءت البشرية - مذ سلخت نفسها عن العقيدة السليمة والدِّين النقي- بأحمالٍ من
    الهموم والأوجاع والآلام النفسية والجسدية المبرِّحة، وستظلّ على مثل ذلك، إلى أن
    تفكر في عزل نفسها عن تلك الشذوذات، ولن تجد نفسها في عزلةٍ عنها إلاَّ إن فكّرت
    وقدّرت في الحواجز والضوابط التي وضعها الله بوحيه للناس، وهي منه بتقديره وكلامه
    وإرادته، فهم مخاطبون بها، لأنَّ الله سبحانه أرادها، وأحكم تقديرها، وليس في وسع
    البشر أن يأتوا بمثلها، وكيف لهم ذلك وهم بشر أودع الله فيهم فطرة جِبِلّيَّة،
    ليكونوا بها قادرين على قَبول هذه الحواجز والضَّوابط التي خلقها ووضعها لهم؟



    وتظلُّ
    الفطرة قادرة على قبولها ما دامت قاصيةً عن التأثيرات المصنوعـة في غياب مقتضى
    العقيدة السليمة أمراً ونهياً، فعلاً وتركاً، إيجاباً وسلباً.



    لذا؛
    فإنّه لا يحسن بنا أن نغلق عيوننا، ونصمّ آذاننا عن رؤية تلك الصورة الماثلة أمام
    عقولنا وسماعها، بكلِّ حركاتها وسكناتها، رسمتها يد الزّمن على رقعة الحياة
    البشريّة حين أعرض الإنسان ونأى بجانبه عن مقتضى الفطرة التي فطر الله الخلق
    عليها، بما صاغته يد المدنيّة الحديثة.



    هذه
    الصور الشائهة للإنسان جسداً، وروحاً، وعقلاً، وفكراً، وحتى إنسانيَّته شاهت، وكيف
    لا تكون إنسانيته شائهة وقد أزمعت صَرْماً للدين، والعقيدة، وباءت بخُسرٍ لا
    ينفكُّ، وأضحت رهينة قيود المدنية الحديثة المصنوعة على عيون الشذوذات، فهل يحتاج
    المرء المسلم لاستبيان هذه الصورة الشائهة -وهي على مثل هذا الظهور الجلي- إلى
    البحـث عن نظرية يحدسُ بها ظاهراً وباطناً، وظاهرها ينبىءُ عن باطنها، وباطنها
    أسوأُ وشرٌّ من ظاهرها؟‍! ولست إخالها، بخافيةٍ على أحدٍ يتحرّك فوق الأرض، ولو في
    مستقرٍّ صغيرٍ جداً، فكيف مستقرُّها الأرض جميعاً؟!



    والناس
    بكلِّ رغائبهم وأهوائهم وغرائزهم يتحرّكون فيها، وليس أحدٌ منهم يدري أنّه بقادرٍ
    على أن يتجاوز هذه الصورة، ومستقرها الأرض كلُّها -بأشواق تضمّه إلى صدرها- تصعد
    به في طريق السماء، ليقبسَ شيئاً من طُهر مُزنها، يغسلُ به أدراناً لس في وسعه أن
    يزيلها عن نفسه إلا بذلك المزن الطّاهر.



    بيْدَ
    أنَّ الداعية المسلم ليس يكفيه من العلم ما يمكنه من الاستبصار بهذه الصورة،
    ومعرفة الباطن منها قبل الظّاهر، بشيءٍ يسير من النظر المتأمِّل ولو أبطأ، إذ غيره
    يمكنه ذلك، على أنّه ليس بالدّاعية، ولا الدّعوة منه.



    إذاً؛
    فيجب أن يكون الداعية المسلم على معرفة دقيقةٍ يُلمُّ بها بكلِّ ما يدور فوق
    الأرض، مستقرّ هذه الصورة.



    والداعية
    المسلم الذي اختاره الله بإرادته الحافظة ليحمل عبء الدعوة بالعلم والحكمة،
    والمصابرة، والمثابرة، والخوف، والرجاء، ليس في حاجـة إلى الاستزادة من المعرفة،
    بعيداً عن دائرة الوحي، ففي كتاب الله وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم الغناء كلُّ
    الغناء عن كلِّ ما سواهما من المعرفة وأسبابها.



    وحسْبُ
    الدّاعية المسلم أن يُبصر بالأخبار الغيبية، التي نطـق بها الكتاب الكريم،
    والسُّـنَّة النبويَّة الصحيحةن فكانت كما أخبر بها، لم يتخلف منها واحد، أجمعت
    على تصديق المُخْبِر بها عن ربه صلوات الله وسلامـه عليه، وكانت بوقوعها على ما
    أخبر بها، كما وصفها الله سبحانه في قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً
    وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [سورة
    الأنعام: آية 115].



    والبصير
    العارف بمعاني كتاب الله سبحانه يعرف تأويله بوقوع هذه الأخبار كما أخبر بها صلى
    الله عليه وسلم، فليس هـو في حاجـةٍ إلى تلمُّس معانيها في بطون كتب التفسير
    وأجواف قواميس اللغة، فما عليه إلا أن يقرأ هذه الأخبار مسطورةً في كتب السُّنن
    والصَّحاح، والمسانيد، فإذا هو قائمٌ أمام حقائق التنزيل المحكمة، يرى تأويلها في
    الكون والإنسان والحياة، فلا يندُّ عنه منها واحدٌ، وإذا الواقع -بكونه وإنسانه
    وحياته- مجموعٌ إلى هذا الداعية المسلم، يتخير منه ما يشاء، ليزداد إيماناً مع
    إيمانه أنَّ الله سبحانه جعل للدعاة إليه على معرفة وبصيرة، فضلاً على سائر
    النَّاس بما وهبهم إياه من معرفة بحقائق التنزيل، على وفق التأويل الواقع المشهود،
    في الإنسان والحياة والكون، يكون بها قادراً بأدنى نظرٍ على إدراك التطابق الكامل،
    بين الخبر المنبىء عن الأمر الواقع الذي يحيط به الداعية المسلم علماً بكلِّ ما في
    الواقع الحياتي من العلوم الإنسـانية؛ النظرية والعلمية، التي ولَّدها العقل
    الإنساني فأصاب بها الإنسان خيـراً وشراً، على الرَّغم أنها منه.



    وليس أمر هذه العلوم بخافٍ عن الإنسان،
    سواءٌ الذي عاش هذه العلوم من بداياتها، أم الذي شهد قمّة ازدهارها، أم الذي تجرّع
    أوصاب بلائها، أم الذي سيولد وليس يدرك إلا نهايات فسادها.



    وحين يتجرّد الداعية المسلم -بصدق ولائه
    للدعوة، وبإخلاص نيّته للعمل لها، وشفقته الرّحيمة على من يدعوهم إلى ربِّه- يزداد
    معرفةً وفقهاً بالواقع، ويشتدُّ حرصه على معرفة الأخبار والآثار التي نزل بها
    الوحي الأمين على قلب الرّسول صلى الله عليه وسلم، فيكون فقهه بالواقع بقدر ما
    ينتهي إليه علمه من تلك الآثار والأخبار.



    وحتى لا يطول بنا المسير في الحديث عن
    فقه الواقع حديثاً نظرياً بحتاً، فإنّه يحسـن بنا أن نسوق بعضاً من تلك الأخبار
    التي بمثلها نكون أفقه البشر وأعلمهم بالواقع، لا بواقع بلدٍ، أو قطرٍ، أو شعبٍ،
    بل بواقع العالم كله، ما يراه الداعية المسلم، ويقف على أحواله، من قُربٍ أو من
    بعدٍ، وما لا يراه؛ يعرف من أحواله شيئاً فهما سيّان، ليس ذلك لأنه أوتي حظاً من
    العلم الكشفي، الذي تنحسر به أستار الغيب ليعرف ما وراءها، فذا شيءٌ يعرف المسلم
    -بداهةً- أنَّه ليس في حوله ولا من طَوله، بل لأنه الأخبار والآثار التي قصّ بها علينا
    نبيُّنا صلى الله عليه وسلم ما يكون في واقع الحياة الإنسانية، صدّقها هذا الواقع
    تصديقاً ينفي الرّيب والشكوك، ويحمل الإنسان العاقل على أن يُقبل لا على التسليم
    بما جاءنا من أخبار الغيب، تقصُّ علينا واقع حياة الإنسان في مستقبله، بل ليُسلِّم
    بكلِّ الخطابات الإلهية التي خاطب الله سبحانه بها عباده؛ ليكون العملُ بها السبيل
    الواصلتهم إلى سعادتهم في الدُّنيا، وإلى رضوانه في الآخرة.



    وأسـوق
    بعضـاً مـن الأخبار النبويـة، التي حـدّث الرسول صلى الله عليه وسلم أمتـه عمّـا
    سيكون في حياتهـا مـن أحـوال، تتعـاقب فيهـا تعاقـب الليل والنهـار، وتتابع على
    أرضها تتابع القرون والأعوام، آخذاً بعضها برقاب بعض، كلما حلَّ منها واحـدٌ
    وارتحل، تبعه الآخر بما ينبىء عمّا بعده، تمتدُّ علىطولِ القرون حتى تقوم الساعة،
    في انتظام بديع، منها المؤتلف ومنها المختلف:



    منها:
    قوله صلى الله عليه وسلم جواباً على سؤال جبريل عن الساعة: «سأحدِّثك عن أشراطها:
    إذا ولدت الأمـةُ ربَّها (أي سيدها) فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة
    رؤوس الناس (أي ملوك الأرض وسادتهم) فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاءُ البُهم في
    البنيان فذاك من أشراطها»([9]).



    ومنها:
    قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي أخذ القرون قبلها، شبراً
    بشبر، وذراعاً بذراعن قيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ قال: ومَن الناس إلا
    أولئك؟»([10]).



    ومنها:
    قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تقـوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد»([11]).



    ومنها:
    قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزّمان، فتكون السَّنة
    كالشهر، والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة
    كالضّرمة بالنار»([12]).



    ومنها:
    قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجّالون كذّابون قريباً من
    ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله»([13]).



    ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا
    ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل: كيف إضاعتهـا يا رسول الله؟ قال: إذا أُسند
    الأمـر إلى غير أهله فانتظر الساعة»([14]).



    وهناك الكثير الكثير من هذه الأخبار
    النَّبوية التي يتأولها الواقع، ويوافق صريح الوحي، نكتفي منها بهذا القدر الذي
    أوردناه، فالواحد منها يغني عن الجمِّ الغفير.



    ولستُ أريد شرح هذه الأحاديث، وبيان ما
    اشتملت عليه من عِبر أنباء الغيب التي جاءت فيها؛ فإنَّ إجالة النّظر فيها سريعاً
    تقفنا على ما ينبغي للداعية الفقيه المسلم أن يعرفه من فقه واقع الحياة، لا يطلبه
    من غير طريق الوحي.



    وإذا ما فقه الدَّاعية المسلم الواقع
    الإنساني الحياتي في ضوء نصوص الوحي، عرف الخير خيراً، والشّر شراً؛ لأنه إخبار
    وحي صادق أمين، فلا يكون به الخير إلا خيراً، ولا الشرُّ إلا شراً، إذ معدن هذا
    غير معدن ذلك، والوحي إنما يخبر عن الأشياء بما جبلت عليه، وبما أودعها من خصائص،
    تعرف بالآثار الناشئة عن أفعالها، والغايات التي خلقها الله من أجلها، وحسب
    الداعية ذلك.



    ولا أحسب شيئاً مما ذكرته هذه الأحاديث
    الآنفة الذكر إلا هو مشهودٌ معلومٌ لكلِّ
    من كان له قلبٌ، ولو ذهبت تتعرفها من غير إخبار الوحي عنها في بلاد الكفّار
    المشركين، لوجدتَ عندهم منها خُبْراً؛ علموها بإقبالٍ منها وإدبارٍ، فكانت حالهم
    قبل سنين أفضل بكثير منها الآن، ولو تركت أحدهم يحدِّثك بما في نفسه؛ لأفضى إليك
    بما هو في نفسك أو بشيء منه، لكنّه وهو يذكر ما انحسر من خير عنهم وزال، يذكره
    بتفجُّع وحزن، وأنت إنما تذكره مستعيذاً بالله مما هو أشدّ منه وأكبر، ذاكراً معه
    قول النَّبي صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم يأتي إلا والذي بعده شرٌّ منه»([15])
    فتطيب نفسك، وتسلم الأمر لله، وتدعو الله أن تُلمّ بالناس فتنةٌ تكون أنت من بعض
    حصَادها.



    وما هذا إلا لأنك ترى الواقع مطابقاً
    للأخبار التي جاءتنا عن المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ فكان فيها العزاء للأنفس،
    والتحذير من شرٍّ هو كائنٌ لا محالة، والترغيب في خيرٍ يُفعل يُتقى به الشرّ
    ويدفع.



    من هنا نتبيّن: أنّ فقه الواقع، لا
    يتأتّى بتتبع أحوال الحياة البشرية في كلِّ أصقاع الأرض، وتقصِّي ما تُفرزه
    الحضارات الإنسانية القائمة على التجارب وحدها، أو الظُّنون والتخمين والحدس لما
    يكون، وبناءً على النظريات التي يُخطَّط بها للإنسان، فمثل هذه النظريات تزول أو
    يعتريها الخلل والفساد، ثمّ لا تعود صالحة للتخطيط، والعمل على وفقها.



    أما ما تحدِّثنا به الأخبار النبوية مما
    سيكون في حياة الإنسان؛ فإنها تنشيء حقائق ثابتةً مسلّمةً، تضع العقل الإنسان
    -أينما كان- أمامها، فلا يملك إلا التسليم المطلق لها.



    فكيف إذاً بالداعية الذي لا يرتدُّ إليه
    طرفه عن أمرٍ من الأمر قضى به الوحي؟ أو عن حكمة ألَّم بها بأثرٍ من الأثر؟ أو عن
    حقيقةٍ من الحقائق اجتناها من كتاب أو سنّة؛ فأصاب بها علماً وحكمة؟ وهو في ذلك
    كلّه، لا يصدر إلا عن رغبة في الوقوف على ما كتبه الوحي، وصدّقته الأحداث الجارية.



    أليس هذا الداعية أولى بالتسليم، وأن
    يكون فقهه بالواقع الحياتي الإنساني من هذه الأخبار، وبها، وفيها وحدها، فيكون
    أقدر على البلاغ؛ لأنه يصدر في علمه من معدن الوحي؟!



    أحسب أنّه لا يملك إلا أن يجيب بنعم!!!


    ولا ننسى أنّ وقوع هذه الأخبار على
    النّحو الذي جاءت به، لا يكون إلا وفق سنن الله ونواميسه التي وضعها في الكون
    والحياة، لذا فإنه لا بدّ من تخصيص بحث مستقل عن سنن الله وقوانينه.













    ([1])
    سيأتي تخريجه.







    ([2])
    ينظر تخريجه مفصلاً في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (958).







    ([3])
    إن فقه الواقع، ليس بالفقه الغائب، إنه فقه منظور، يُبصر بالحس والشعور ويُعلم
    بالإرادة الواعيـة، وحين يكون الإنسان المسلم فقيهـاً بأحكام الإسلام على مقتضى
    التوحيد الحق، فلسوف يكون مُلْهَماً مُوَفَّقاً في إدراك الأمور كلها في واقع
    الأمة.







    ([4])
    رواه الطبراني عن ابن عمر بسندٍ صحيح.







    ([5])
    متفق عليه عن أسامة.







    ([6])
    متفق عليه عن عمرو بن عوف.







    ([7])
    حديث حسن، له طرقٌ عدة، منها في «المسند» وغيره، وانظر «إرواء الغليل» (1585)
    للعلامة الألباني.







    ([8])
    حديث حسن، وهو مخرّج في «السلسلة الصحيحة» (1693).







    ([9])
    متفق عليه، واللفظ لمسلم.







    ([10])
    رواه البخاري.







    ([11])
    رواه أحمد والحاكم بسندٍ صحيح.







    ([12])
    رواه أحمد والترمذي بسندٍ صحيح.







    ([13])
    رواه مسلم.







    ([14])
    متفق عليه.







    ([15])
    رواه البخاري عن أنس.





    avatar
    صلاح محمد حسانين
    المدير العام

    النوع : ذكر
    عدد المشاركات : 6402
    العمر : 54
    تاريخ التسجيل : 28/06/2009
    المهنة :
    البلد :
    الهواية :
    مزاجي النهاردة :

    عام رد: قرأت لك (هى السلفية ))

    مُساهمة من طرف صلاح محمد حسانين في 26/7/2012, 2:54 am

    ان شاء الله كل يوم سنكون مع كتاب جديد لعله يكون فيه نفع للاعضاء






      الوقت/التاريخ الآن هو 11/12/2017, 2:02 pm